ملتقي اهل اللغه (صفحة 2729)

مجاز عجيب، فهل خطر على بال السكاكي أو الخطيب!

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[15 - 01 - 2010, 11:11 م]ـ

مجاز عجيب، فهل خطر على بال السكاكي أو الخطيب!

هي صورة استشهارية أطلقتها إحدى شركة الاتصال لتغري الناس بأن يكونوا من زبنائها:

الصورة بصرية تظهر في الواجهة -على اليمين قريبا من الوسط-"فأرة" حاسوب حقيقية بحبلها الواصل، وعلى اليسار تظهر قطة، يبدو وكأنها تقتحم المشهد إذ لا يظهر منها في الإطار إلا مقدمة جسدها، وكأن المصور أراد أن يبث عند المشاهد انطباعا عن قطة متحركة، يدخل إلى المشهد الآن جزء من جسدها، وبعد قليل سيدخل جسم القطة كله –كما هو متوقع- لتتجه إلى حيث الفأرة في وسط الصورة ...

القطة يتحلب لسانها الأحمر المتدلي، وبصرها مصوب إلى "الفأرة"! وفي وسع أي مشاهد أن يدرك النوايا العدوانية للهرة تجاه الفأرة، فأرة الحاسوب!

هذا هو المعنى النهائي الذي يريد صاحب الصورة أن يوصله إلى المشاهد.

طرافة هذه الصورة أثار في ذهني هذا السؤال:

ما نوع المجاز في الصورة، لأن المجاز حاضر فيها قطعا ..

ثم بدت لي مع التأمل بعض الإشكالات:

النص "أيقوني" وليس لغويا، فإلى أي حد يمكن إخضاعه لقواعد بلاغية هي موجهة أصلا لتحليل الصورة اللغوية المسموعة وليس المرئية ... !

يمكن، نظريا، تذليل هذه الصعوبة بافتراض إمكان توسيع البلاغة لتكون علما عاما في التواصل الإنساني بدل الاقتصار على التواصل اللغوي .. فتكون اللغة أنموذجا لغيرها من أنماط التواصل، فالاستعارة مثلا ستعتبرآلية إنسانية عامة تتجلى في اللغة وغيرها .. وهذا هو مذهب عالم اللغة السويسري دو سوسير الذي أراد تأسيس علم عام للعلامات إنطلاقا من النموذج اللساني.

ويمكن، عمليا، تذليل الصعوبة بافتراض أن الصورة المرئية يمكن ترجمتها إجمالا بعبارات لغوية فينصب التحليل البلاغي على هذه العبارات .. وقد قمنا فعلا بمحاولة الترجمة وإن كانت قاصرة، فكثير من المؤثرات البصرية في الصورة الأصلية لا يمكن نقلها باللغة، ولكن حسبنا أننا احتفظنا بالفكرة الإجمالية في النص المرئي.

لكن الإشكال الأكبر يأتي من محتوى الصورة نفسها ... فهي واضحة في البصر ولكنها شديدة الغموض في مقصدها .. فنحن لا نتبين بدقة ما يريد صاحب الصورة أن يقوله للمشاهد: ما معنى الهرة التي تريد أن تلتهم فأرة حاسوب؟

هل الصورة إمتاعية أم إقناعية؟

الاحتمالان واردان معا ..

فيجوز أن يكون الوجه الإقناعي هو ما كتب على اللوحة من أرقام دلت على تخفيضات مغرية للزبون .. أما قصة الهرة فهي فقط خلفية ترمي إلى إمتاع المشاهد وحمله على الابتسام من المشهد المثير ..

ويجوز أن يكون المشهد حجاجيا .. موجها للإقناع في تضافر مع الحروف والأرقام! ... لكن أي حجة تنطق بها قصة الهرة!

وعلى افتراض مجازية الصورة .. فهل تقوم المجازية على منظورمن الهرة، أم على منظور من الإنسان!

1 - الصورة استعارة مكنية من منظور الهرة:

فالقطة تدعي أن فأرة الحاسوب ليست إلا فأرة حقيقية .. بقرينة شهيتها ونزوعها إلى التهامها .. فليس من العادة أن يتحلب فم الهرة لمرأى المعدن والبلاستيك! فالفأرة في ادعاء الهرة من لحم ودم حقيقة كما ادعى السكاكي أن المنية ليست شيئا غير السبع في بيت الهذلي ...

والجامع بين أداة الحاسوب والفأرة هو الشكل الخارجي .. ولما كان المشبه- أعني فأرة الحاسوب -مصرحا به في الصورة والمشبه به- أعني الفأرة الحقيقية – غائبا عن الصورة تكون الاستعارة مكنية، ولازم المشبه به الدال عليه هو القرينة نفسها أي نية الهرة في الالتهام ...

2 - الصورة معقدة من منظور الإنسان .. فإذا كانت القطة تعتبر الأشياء فقط فإن الإنسان يعتبر الأشياء والأسماء معا ... فالقطة مثلا تدرك فقط شكل فأرة الحاسوب وتذكرها بالفأرة الحقيقية لكن الإنسان يسمي أداة الحاسوب "فأرة" فهذا مجاز بنفسه!

أ-يجوز أن يكون في الصورة مجاز مرسل (أو استعارة) ... فتؤول الصورة على النحو التالي:

القطة تريد أن تأكل أداة الحاسوب لأنها تسمى فأرة ... بادعاء أن الشيء الذي يحمل اسم شيء آخر يتماهى معه، فكأن الأسماء توحد المسميات!

ب-ويجوز أن تكون الاستعارة أكثر تعقيدا:

ففي الأصل شبهت أداة الحاسوب بالفأرة فاستعير لها الاسم بادعاء أنها دخلت في جنس الجرذان فهذه استعارة تصريحية ...

وهي الآن في الصورة مستعملة مرادا بها الفأرة الحقيقية بقرينة شهية الهرة ... فتكون إرادة الحقيقة هو نفسه قرينة المجاز وهذا طريف جدا جدا .. !!

أو لنقل بصورة أخرى:

في الأصل تكون لدينا مجاز بتشبيه الآلة بالفأرة .. والآن يتكون لدينا مجاز آخر بنقض المجاز الأول!!

فكأن الانزياح عن الحقيقة مجاز والعودة إليها مجاز!!!

ج-ويجوز أن تكون في الصورة استعارة تمثيلية هدفها الحجاج:

فكأن المستشهر يقول:

فأرة الحاسوب المعروضة قد استطاعت أن تثير في القطة غرائزها الطبيعية .. فلتكن قادرة على أن تثير في الإنسان ميوله الثقافية!!

ولما كان قصد المستشهر هو الانخراط في الأنترنت فسيكون التعبير بالفأرة مجازا مرسلا علاقته الجزئية (الفأرة جزء من معدات الأنترنت أطلق الجزء وأريد الكل) ... وهل يمكن أن تتضمن التمثيلية مجازا مرسلا؟ سؤال قد يعيد إلى الذاكرة تلك المناظرة المأساوية بين يدي تيمور هل تجتمع التمثيلية والتبعية!!

ألم أقل لكم إن الصورة شديدة التعقيد!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015