ـ[عبد الرؤوف أبو شقرة]ــــــــ[11 - 04 - 2010, 12:21 ص]ـ
البسملة1
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسولنا الصادق الأمين وآله وصحبه أجمعين
وبعد
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
تقرر عند علماء البلاغة أنه إذا ولي أداة النفي مسند إليه مقدم فإنه يفيد اختصاص النفي بالمسند إليه وثبوت الفعل لغيره، نحو قولك ما أنا كسرت الزجاج ولكن غيري، فمعناها نفي الكسر عني وإثباته لغيري، ولا يصح أن يقال ما أنا كسرت الزجاج ولا غيري، لمناقضة مفهوم الجملة الأولى لمنطوق الثانية.
سؤالي ..
ورد في الحديث الشريف عن المرأة التي حبست هرة قوله عليه الصلاة والسلام "فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"
فها هنا قدم المسند إليه (هي) وقد ولي حرف النفي، إلا أن المعنى لا يستقيم مع الاختصاص، لأن مفاد الاختصاص هنا هو أنها لم تطعمها هي ولكن أطعمها غيرها!!
والمعروف من الحديث أن المرأة حبست الهرة حتى ماتت ولذا نالت العقاب ..
فكيف يمكن الخروج من هذا الإشكال؟!!
حاولت تقليبه كثيرا ولم أخرج بشيء ولم يجبني عليه أحد، رغم أنه يؤرقني منذ زمن!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[11 - 04 - 2010, 09:16 م]ـ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
أخي الكريم:
"فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"
تقديم الضمير المنفصل -هنا -لا يعني الاختصاص، وإنما يؤذن بتكرار النفي .. فعندما يسمع المتلقي "لا هي أطعمتها" يتوقع أن يسمع نفيا آخر (وبدون نفي جديد ستكون العبارة قلقة متوترة)
لو تقدم المسند وقيل" ما أطعمتها " لا ينبعث في الأفق توقع عطف نفي آخر ..
والنكتة البلاغية في مثل هذه التعابير تتصل غالبا بمعاني التشنيع والتوبيخ .. فنفي الطرفين الممكنين يجعل الشخص في دائرة الشذوذ: لأن نفي الطرف الأول يقتضي أن يكون الطرف الثاني ثابتا ... فإذا نفي هذا الطرف أيضا استنكره العقل!
فإذا قلت عن صاحبك:
أ-"لا يزورنا ولا يسأل عنا .. "
ب-"لا هو يزورنا ولا هو يسأل عنا"
الجملة" أ" نفت الفعلين فقط وأخبرت عن هذا النفي ..
لكن الجملة"ب" لها اقتضاء تداولي لا يوجد في الأولى:
فهي تدعي أن صاحبك كان عليه إما أن يزورك وإما أن يسأل عنك-على الأقل- حسبما يقتضيه العرف أو العقل ... لكنه لم يزر ولم يسأل فيكون قد خرج عن العرف والعقل ... وجاء بمنكر وشذوذ.
ـ[عبد الرؤوف أبو شقرة]ــــــــ[11 - 04 - 2010, 09:46 م]ـ
السلام عليكم
عزيز أحسن الله إليك على هذه المداخلة النافعة.
لكن جوابك لم يقع على محل الإشكال
دعني أوضح ما أريد ..
أ- أنا ما كسرت الزجاج.
ب- ما كسرت الزجاج أنا.
ج- ما أنا كسرت الزجاج.
هذه ثلاث جمل اختلف فيها محل المسند إليه، وحسب ما نص عليه العلماء أن الجملة الأولى والثانية تحتمل الاختصاص أو الاهتمام ..
فعلى الاختصاص في الجملة الأولى يكون المعنى أنني لم أكسره أنا ولكن هناك شخص آخر كسره، فالزجاج مكسور بالتأكيد.
وعلى الاهتمام يكون النفي واقعا عني، ولا يوجد إشارة بإثبات أو نفي عن غيري، فقد يكون الزجاج قد كسر فعلا وقد يكون لم يكسر.
أما في الحالة الثالثة فلا يوجد سوى احتمال واحد وهو أن الزجاج مكسور وأنا لم أكسره إنما كسره غيري، وذلك لأن المسند إليه المقدم ولي حرف النفي، وفي كل حالة كذلك فهي لا تحتمل إلا الاختصاص ..
لكن يقع الإشكال في الحديث الشريف حيث إنه لا يستقيم معنى الاختصاص فيه بل تقديم المسند إليه للاهتمام كما تفضلت في تبيينه.
فهل القاعدة غير مطردة، وأنا أستبعد أن يكون علماؤنا الأجلاء قد فاتهم عدم اطرادها وإذا لنصوا على ذلك، لكنني فيما اطلعت عليه لم يذكروا لها شذوذا.
وممن ذكر هذه القاعدة شيخ البلاغة الإمام عبد القاهر الجرجاني، وكذلك مقعدها الإمام القزويني رحمهما الله رحمة واسعة، وكذلك تبعهم فيها شراح التلخيص والسيوطي وشراح عقوده وغيرهم كثير ..
من ذلك أنقل لك ما نقله الإمام القزويني في الإيضاح، قال رحمه الله " قال عبد القاهر وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن ولي حرف النفي كقولك -ما أنا قلت هذا- أي لم أقله مع أنه مقول، فأفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول وأنت تريد نفي كونك قائلا له .. " وقال "ولهذا لا يقال -ما أنا قلت ولا أحد غيري- لمناقضة منطوق الثاني لمفهوم الأول بل يقال -ما قلت أنا ولا أحد غيري- ولا يقال -ما أنا رأيت أحدا من الناس- ولا -ما أنا ضربت إلا زيدا- بل يقال -ما رأيت (أو ما رأيت أنا) أحدا من الناس، وما ضربت (أو ما ضربت أنا) إلا زيدا- لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفي الثاني الضرب الواقع على كل واحد منهم سوى زيد .. "
(بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح، عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب، ص111)
أرجو أن يكون الإشكال واضحا.
واللهَ أسأل أن يفتح علينا من علمه إنه عليم حكيم ..
¥