ملتقي اهل اللغه (صفحة 2705)

من كتابي ملامح الصورة الفنية في الاحاديث النبوية الجزء الثالث / محفوظ فرج ابراهيم

عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لو أنكم تَوَكَّلونَ [1] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftn1) على الله حَقَّ تَوَكلِهِ لرَزَقكُمْ كما يرزقُ الطيرَ تغدو خِماصاً وتروحُ بِطاناً)

جملة شرطية وردت أداة الشرط فيها (لو) وهي حرف امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، وقد ورد فعل الشرط (إنكم توكلون على الله حق توكله)

ويقول النحويون أن لو إذا تلتها أنَّ واسمها وخبرها فان هذه الجملة تكون في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت والتقدير (لو ثبت توكلكم على الله) [2] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftn2) وهذا الحذف هو آكد من ذكره بامتناعه، وإنَّ حذف التاء من (تتوكلون) تنسجم مع انحسار الفعل وعدم تكراره والإكثار منه وقد يتضح ذلك من ان هذا التوكل وان كان حاصلا لم يكن ذلك التوكل الصادق الخالص، وهذا ما يوضحه ويفصح عنه ما ناب عن المصدر وهو (حق توكله) حيث ورد (حقَّ) نائبا عن المفعول مطلق والمصدر الحقيقي ورد مضاف إليه وقد ورد جواب الشرط ل (لو) كما هي البنية التركيبية التي يرد عليها وهي لام التوكيد الواقعة في جواب الشرط مع الفعل الماضي (لرزقكم)؛ ولكن ذلك أفضى الى صورة فنية قائمة على التشبيه (كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)، وهذه صورة للطبيعة الحية المتحركة يلونها التوازن بين جملتين تصوران حال الطير (تغدو خماصا [3] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftn3)) (تروح بطانا) انه توازن في البناء الصرفي تنبثق منه موسيقى داخلية تلونها المقابلة ويتجلى الحال (خماصا) و (بطانا)

فضلا عن ذلك ان بريق التكرار ولمعانه في الحديث الشريف أضاء المضمون وفكرته، وساهم في رقي إيقاعه المؤكد لمعناه (توكلون) (توكله) (رزقكم) (يرزق) [4] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftn4)

وفي الحديث الشريف وردت اللام مع لفظ الجلالة (الله) أربع مرات وفي ذلك التداعي ما يفضي إلى الرقة والليونة في الخطاب منسجمة مع تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم حين يخاطب المسلمين فضلا عن ذلك فان بنية الجملة الشرطية حين ترد (لو) أداتها تفضي في ذهن المتلقي الى معان (لو أنكم توكلون على الله حق توكله) إذ تشعرك من طرف خفي ان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب برفق ولين من المسلمين التوكل على الله حق التوكل وفيه تكمن رغبته (وددت لو إنكم توكلون) على الرغم من انها وردت شرطية ولم ترد في هذه المعاني

(ولو أنكم توكلون) على الله نجد صيغة (تفعل) لاتعني التكلف في التوكل وهو أحد معانيها ولكن (حق توكله) أفضت به الى معنى صيرورة الفاعل صاحب ما يدل عليه الفعل حقا [5] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftn5) بحيث اشرب قلب المسلم بالتوكل وأصبح عمله.

[1] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref1) التَوكُّل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان، واتكلت على فلان في أمري إذا اعتمدته / لسان العرب 15: 273 والتوكل: هو الثقة بما عند الله، واليأس عمّا في أيدي الناس/ التعريفات أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالسيد الشريف ت816 هـ، دار الشؤون الثقافية بغداد،1986م ص43 وقال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم في تعريفه شرعا (هو صدق اعتماد القلب على الله عو وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها،وأن يَكِلَ العبد أموره كلها إلى الله جل وعلا، وأن يحقق إيمانه بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه) وبمعنى آخر هو الثقة بالله عز وجل ص409

[2] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref2) شرح ابن عقيل ج2/ 386

[3] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref3) خمص: الخَمُصان والخُمُصان: الجائع الضامر البطن، والانثى خَمْصانة وخُمْصانة،وجمعها خماص ومنه الحديث: (كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا) أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الاجواف؛ ومنه الحديث الآخر: (خماص البطون خِفاف الظهور) أي انهم أعفة عن أموال الناس فهم ضامرو البطون من اكلها خِفاف الظهور من ثقل وزرها / لسان العرب، دار صادر 5/ 158

[4] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref4) سبق أن بينت جملة الشرط ب (لو) من خلال حديث نبوي شريف هو (لو ان الناس يعلمون من الوحدة ما اعلم ما سار راكب بليل وحده) وذكرت أنها من الأساليب الأثيرة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لانها في فعلها وجوابها تشكل جملة واحدة يمكن ان تستوعب مضامين واسعة ج2 من ملامح الصورة الفنية ص13

[5] (http://www.ahlalloghah.com/newthread.php?do=newthread&f=13#_ftnref5) عمدة الصرف 36ــ 37

طور بواسطة نورين ميديا © 2015