ملتقي اهل اللغه (صفحة 2669)

الإبداع من منظور المنشئ

ـ[أم محمد]ــــــــ[05 - 07 - 2010, 12:00 ص]ـ

-الإبداع من منظور المُنشِئ- (*)

حين يخلو الشَّاعر أو النَّاثر إلى نفسه ليخوض تجربة الكتابة، ويُروِّضَ الكلماتِ الْجَموح، ويُؤالفَ بينها ليجعلَ منها عملاً أدبيًّا متميِّزًا، نكون أمام حالةٍ فريدةٍ من حالات الإبداع تَطْرَحُ علينا عددًا من الأسئلة الّتي نبحث لها عن جواب!، ولعلَّ أوَّل هذه الأسئلةِ الباديةِ للعيان هو السُّؤال الآتي:

لماذا يَدْفَعُ المُبدِعُ بنفسِه في خِضَمِّ المعاناة لِكَيْ يُبدِعُ نصًّا أدبيًّا؟! إنَّ كلَّ الَّذين عاشوا لحظة المخاضِ في عمليَّةِ الإبداعِ يعرفون مدى صعوبتِها وفداحةِ تكاليفِها النَّفسيَّة والجسمانيَّة على المُنشِئ، يقول أحدهم:" يأتي عليَّ زمانٌ وقلعُ ضِرْسٍ لي أهونُ عليَّ من قولِ بَيْتِ شِعْرٍ "!، ولكنَّه مع ذلك يرضى بالمغامرة، ويُقبِلُ عليها، ويَخوضُ صعوبتِها، ويُخلِّفُ لنا ديوانًا من أكبرِ دواوين الشِّعر العربيِّ وأروعِها.

وإذن، يبقى السُّؤال:" لماذا؟ ويهتِفُ بنا لنلمسَ عنهُ الجواب.

نَقول ابتداءً: إنَّ إقدامَ المُبدعِ على المغامرةِ الصَّعبةِ ينشأُ أولاً من إحساسِهِ العميقِ بأنَّهُ يتمتَّعُ بموهبةٍ لا يتمتَّعُ بها كثيرٌ من النَّاس، وأنَّ لديْهِ قدرةً خاصَّةً على صُنْعِ شيءٍ جميلٍ مُتَفَرِّدٍ ليْس مُتاحًا لكلِّ أحدٍ.

ويَنْشَأُ ثانيًا من إحساسِ المُبدِعِ أنَّ النَّاس من حولِهِ في حاجةٍ نفسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ -ورُبَّما عمليَّةٍ- لهذا العطاءِ الَّذي اختصَّهُ اللهُ بالقدرةِ عليه.

وَيَنْشَأُ ثالثًا من إحساسِهِ بحاجتِه إلى الإشباع النَّفسيِّ، حين يتمكَّنُ من تجسيدِ مُختلجاته وتَقديمِها للنَّاس في قالبٍ شعريٍّ جميلٍ، لتتحقَّق له الرَّاحة النَّفسيَّة ونقلها إلى النَّاس من حوله، إذ أنَّه يتحدَّثُ عن أمورٍ وتجاربٍ وحالاتٍ يعيشونَها ويُحسُّونَ بها في دواخِلِهم، ولكنَّ هذا العمل ظلَّ ممتنعًا عليهم وغير مُتاحٍ إلاّ لذلك الإنسانِ صاحبِ تلك الموهبةِ الفذَّةِ المتميِّزة المُتفرِّدةِ بينهم، ولذلك نسمعُ كثيرًا من النَّاس يمتدحون الكلامَ الأدبيَّ الجميلَ بأنَّه " السَّهلُ المُمْتَنِع! "; وفي هذه العبارة يكمنُ سِرُّ الإعجاب.

وإذن، فالعملُ الأدبيُّ من منظور المُبدِع يتحقَّقُ نتيجةً لثلاثة عواملٍ متلازمة:

أوَّلُها: عينٌ يقظةٌ راصِدةٌ قادرةٌ على التَّأملِ والنَّفاذِ من الظَّواهرِ الباديةِ للعيانِ إلى الأغْوارِ البعيدة، تكتشفُ ما لا يكتشفُه الآخَرونَ، وتَتَنَبَّهُ لما لا يَلفِتُ الانتباه!، وتنقتنص المُفارقاتِ الَّتي تبدو معتادةً ومألوفةً عندَ كثيرٍ من النَّاس. إنَّها عينٌ كعَيْنِ العالِمِ في مجالِ العلومِ الطَّبيعيَّة!

وثاني العواملِ الَّتي يتحقَّقُ بها العملُ الأدبيُّ هو: الاقتدارُ والخِبرةُ باللُّغة الَّتي لا يتحقَّقُ العملُ الأدبيُّ إلاّ بها ومن خلالِها، والمعرفةُ العميقةُ بأسرارِ أصواتِها وتراكيبِها ودلالاتِ الألفاظِ فيها، وبآثارِ ذلك كلِّهِ في الجماعة المتكلِّمة بها، تلكَ الجماعة الَّتي تُشَكِّلُ جمهورَ المتلقِّين لهذا العمل، وإليهم يتوجَّهُ المُبدِعُ بإنجازِه الجميل.

ثالثها: تَوَقُّعُ الأثرِ المنشودِ من المُبدِعِ لدى المتلقِّين، فالمُبدِعُ -وإن أرضى ذاتَه بإبداعِه- لا تكتملث لديه النشوةُ إلاّ برؤيةِ آثارِ ذلك على سامعِه أو قارئِه، وهو حين يُعاينُ الإعجابَ على وجوهِهِم، والتَّقديرَ على ألسنةِ نُقَّادِهِم يَرْجعُ إلى نفسِهِ فتَتَوَقَّدُ فيه جَذْوَةُ الإبداع، وتُشجِّعه على المعاودةِ والتِّكرارِ، وتُعينه على احتمالِ مشقَّاتِ المخاضِ الَّذي يُعانيه كلَّما قَذَفَ نَفسَه في خِضَمِّ هذه اللَّحظةِ البالغةِ الصُّعوبة والعظيمةِ الإمتاع. انتهى.

------

(*) هذا الموضوع من محفوظات جهازي القديمة، وقد نقلته إحدى الأخوات من كتاب للمرحلة الثانوية، ونسختُه للفائدة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015