قال القزويني: "وهو في القرآن كثير (أي المجاز العقلي) كقوله تعالى: ((وإذا تُليَتْ عليهِمْ آياتُهُ زادتهمْ إيمانًا)) [الأنفال: 2] نسبت الزيادة التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا فيها، وكذا قوله تعالى: ((وذلِكُمْ ظنُّكُمُ الَّذِي ظننتُم بربِّكمْ أرداكُمْ)) [فصلت: 23] ومن هذا الضرب قوله: ((يُذَبِّحُ أبناءَهُمْ)) [القصص:4] فإن الفاعل غيره، ونسب الفعل إليه لكونه الآمر به، وكقوله: ((يَنزعُ عَنهُمَا لِبَاسَهُمَا)) [الأعراف: 27] نسب النزع الذي هو فعل الله تعالى إلى إبليس، لأن سببه أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لهما لمن الناصحين، وكذا قوله: ((ألم ترَ إلى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَومَهُمْ دَارَ البَوَارِ)) [إبراهيم: 28] نسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم، لأن سببه كفرهم، وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر" [1] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025#_ftn1).
التعليق:
يظهر أن لهذا القول ارتباطاً بمسألة السببية لدى الأشاعرة – والمؤلف منهم-.
فعندهم أن السبب لا تأثير له في المسبَّب وإنما العلاقة بينهما الاقتران. وعلى ذلك يكون السبب عندهم أمارة على المسبَّب، لا مؤثرًا في المسبَّب.
فمقتضى مذهب الأشاعرة في علاقة الأسباب بالمسبَّبات أن الآيات لاتزيد المؤمنين إيماناً، فزيادة الإيمان حاصلة بمحض فعل الله، وليس للآيات أثر في حصول الزيادة، وهذا ما يقتضيه اعتبار القزويني إسناد الزيادة إلى الآيات مجازًا عقليًا، وكذلك فِعل (الإرداء) (والنزع) و (الإحلال) في الشواهد التي ذكرها بعد ذلك، جعلها كلها أفعالاً لله، واعتبر إسنادها إلى أسبابها (الظن) و (الشيطان) و (الكبراء) مجازاً عقلياً.
والصواب: أن الآيات إذا تليت تزيد المؤمنين إيماناً حقيقة، فلا مجاز، وذلك بتوفيق الله لهم، فهي سبب مؤثر في حصول الزيادة، بإذن الله، كما هو الشأن في سائر الأسباب الشرعية والكونية، وكذلك: (الظن) سبب في (الإرداء) والشيطان سبب في النزع، والكبراء سبب في الإحلال في دار البوار، فكلها أسباب مؤثرة في مسبَّباتها بتقدير الله تعالى.
هذا ومن فروع هذه المسألة عند الأشاعرة أنه لا تأثير لقدرة العبد في فعله، ففعله – عندهم- خلق الله وكسب منه، ومعنى أنه كسب له مقارنته لقدرته [2] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025#_ftn2).
ــــــــــــــ
[1] الإيضاح (104).
[2] تنظر أقوالهم في: شرح المواقف للزنجاني (237) مطالع الأنظار شرح طوالع الأنوار (193) وللرد عليهم: رسالة الإرادة والأمر لابن تيمية (ضمن مجموعة الرسائل الكبرى) (1/ 372) شفاء العليل لابن القيم (189) الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى (186).
ـ[غمام]ــــــــ[30 - 12 - 2010, 07:16 ص]ـ
(6)
قال الخطيب القزويني: "وإن كان [تعريف المسند إليه] باللام؛ فإما للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك، ... وإما لإرادة نفس الحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، ...
وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ((وجَعَلنَا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ)) [الأنبياء: 30] أي جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس الذي هو الماء، روي: "أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء" [1] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17555#_ftn1).
التعليق:
قوله: (إن الله خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء) غير صحيح إذ يرده حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه" [2] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17555#_ftn2).
فإن قيل: كيف يجاب عن عموم (كل) الوارد في قوله تعالى: ((وجَعَلنَا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ)) فالجواب: أن الذي يظهر أن الكلام في الآية خاص بالمخلوقات الأرضية من الإنسان والحيوان والنبات، والله أعلم. ويشهد لهذه الآية قوله تعالى: ((والله ُ خَلَقَ كُلَّ دَابةٍ مِن مَّاءٍ فَمِنهُم مَّن يَمشِي عَلَى بَطنهِ وَمِنهُم مَّن يَمشِي عَلَى رِجلَينِ وَمِنهُم مَّن يَمشِي عَلَى أرْبَعٍ يَخلُقُ الله مَا يَشاءُ إنَّ الله عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)) [النور: 45].
وأجاب الفخر الرازي بقوله: "اللفظ وإن كان عاما إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لابد أن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليه السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك" [3] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17555#_ftn3).
ـــــــــــــــــــ
[1] الإيضاح (122) "مبحث تعريف المسند إليه".
[2] رواه الإمام أحمد في المسند (6/ 153، 168) ومسلم في الصحيح (4/ 2294) برقم (2996).
[3] التفسير الكبير (6/ 146).
¥