وكان - رحمه الله - جادًّا في جميع شأنه فلم أره يفرط في الثواني بله الدقائق.
س / " شرح المفصل " لابن يعيش (ط. المنيرية) مَن العلماء الذين شاركوا في تصحيحه، والتعليق عليه؟
سمعت من مشايخي أن هذه الطبعة برمتها بتصحيح محمد محيي الدين عبد الحميد، فتعليقاته هي المبثوثة في حواشي الكتاب،
وسمعت مثل ذلك من أخي وصديقي الدكتور محمود محمد الطناحي - رحمه الله - وكأني قرأت له كلاما حول هذا في بعض كتبه، ولكن غاب عني موضعه.
س / كيف عرفتَ الطريق إلى مجلس محمود شاكر؟
كنت بعد استقراري بالقاهرة سنة 1960 عرفت أحد رواد ندوة العقاد: هو الأستاذ أحمد حمدي إمام، وكان طالبا في دار العلوم، وكان يألف مَن يلقاه بأريحية عجيبة، فنشأت بيننا صداقة لشَبَهٍ يجمعنا في حب الكتاب، وحب القراءة، والشغف بكل جديد، والتعرف إلى رجالات العلم، والأدب، فكنا نتجول في مكتبات القاهرة كثيرا، وذات يوم مررنا على دار العروبة الكائنة في شارع الجمهورية، وكانت لا تزال بأيدي أصحابها (محمود شاكر وإسماعيل عبيد)، فدخلنا نتأمل منشوراتها المميزة بجودة الطباعة، وأناقة الورق، والأغلفة، فضلا على عظمة العلم الذي تحويه إصداراتها، فوجدنا رجلا أسمر تبدو عليه أماراتٌ توقع في نفس الرائي احترامَه، فسلمنا، ووقفنا نتأمل الكتب، ونتأمل الرجل، فسمعنا مَن يحدثه، ويذكر اسمه، فعرفنا وجهه لأول مرة بعد أن عرفنا قلمه أَلْفَ مرة، وبادرنا إلى تحيته، وذكرنا له ما أراد منا من الاسم، ومكان الدراسة، ونوع ما نقرأ، وأهمُّ من ذلك بلادُنا، وانتسابنا إلى بحري أو قِبلي (يعني: مَن مِنّا الفلاح ومَن منّا الصعيدي)، وشاهدته بعد ذلك منفردا في مكتبات القاهرة، ولا يزيد الأمر على السلام عند كل لقاء.
وبعد وفاة الأستاذ عباس محمود العقاد سنة 1964 كنا نلتقي كالعهد الأول في بيته، فنتداول الذكريات عما سمعنا، وعما لم نسمع من كلام العقاد، يتصدر القولَ كل من: طاهر الجبلاوي، وعلي أدهم، والعوضي الوكيل، وخليفة التونسي، وأحمد إبراهيم الشريف، ويشارك في الحديث كاتب هذه السطور، وأحمد حمدي إمام، والحساني حسن عبد الله، ومحمود الشهابي، وأنيس منصور، وأخونا عامر العقاد - رحمهم الله - وعرض أحد الجالسين لعلاقة بين العقاد ومحمود شاكر تختلف عن علاقته بأحمد شاكر، فنبتت فكرة زيارة محمود شاكر، فالتقينا بعد العِشاء، وكنا خمسة فقط، واتجهنا لزيارة الشيخ محمود شاكر في منزله رقم 3 شارع الشيخ حسين المرصفي بمصر الجديدة، وارتقينا إلى الطبقة الرابعة، فاستقبلنا الشيخ بحفاوة، وتقدير، وسأل الأسئلة المعهودة: الاسم، والدراسة، والعمل، والسكنى، ونوع القراءة، وو و .... وتفضلت زوجته أم فهر بتقديم الشاي، والحلوى، وغير ذلك، ثم لزمتُ مجالسه حتى وفاته – رحمه الله -.
وكيف كان تصوّرك عنه قبل لقائه؟
يوم رأيته أول مرة في مكتبة دار العروبة وجدت راحة نفسية لحديثه المقتضب، وكنت في كل لقاء أتمنى أن أقرأ عليه شيئا من العلم، ولم يتيسر القرب منه إلا بعد وفاة العقاد في ذلك اللقاء التاريخي الجميل.
وهل كان يومئذ بهذه الشهرة والمكانة؟
الحقيقة أن الرجل كان معروفا بكتبه، وأهمُّها كتاب (المتنبي) الذي صدر أول مرة سنة 1936 في عدد من أعداد المقتطف، وكان الكتاب شحيحا، فلا تكاد تجد منه نسخة لدى باعة الكتب القديمة لأن بائعي المجلات لا يبيعون عدد المقتطف منفردًا لئلا تفسد عليهم مجموعة أعداد المجلة، فالطلب لها يتزايد، لذلك يحرصون على عدد المتنبي لاستكمال نسخة كاملة من المجلة، فالربح منها كبير، والربح من عدد واحد لا يكاد يكون مرغوبا فيه.
وكنا في أثناء الطلب نسمع معلمينا يذكرون أسماء آل شاكر، ويحثوننا على قراءة مؤلفاتهم، وتحقيقاتهم، وقد امتلكت سنة 1960 نسخة من كتابه (طبقات فحول الشعراء) الطبعة الأولى الصادرة ضمن سلسلة ذخائر العرب من مطبوعات دار المعارف بمصر؛ وذلك بتوجيه جرى في ندوة العقاد، فاسم كهذا يذكره العقاد لا بد أن يكون على مكانة وشهرة كبيرتين.
س / كيف كانت تسير جلساتكم عند الشيخ محمود شاكر؟ وهل كان لكم برنامج معيّن؟
¥