هذا العلم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة، وهو من العلوم اللسانية، لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده. ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني. وذلك أن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي: إما تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض، والدلالة على هذه هي المفردات من الأسماء والأفعال والحروف، وإما تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة، ويدل عليها بتغير الحركات وهو الإعراب وأبنية الكلمات. وهذه كلها هي صناعة النحو. ويبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين، وما يقتضيه حال الفعل، وهو محتاج إلى الدلالة عليه، لأنه من تمام الإفادة، وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة من كلامه. وإذا لم يشتمل على شيء منها فليس من جنس كلام العرب، فإن كلامهم واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة. ألا ترى أن قولهم: " زيد جاءني " مغاير لقولهم " جاءني زيد " من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم. فمن قال: جاءني زيد، أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال: زيد جاءني، أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند. وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة. وكذا تأكيد الإسناد على الجملة، كقولهم: زيد قائم، وإن زيداً قائم، وإن زيداً لقائم، متغايرة كلها في الدلالة، وإن استوت من طريق الإعراب، فإن الأول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن، والثاني المؤكد بإن يفيد المتردد، والثالث يفيد المنكر، فهي مختلفة. وكذلك تقول: جاءني الرجل، ثم تقول مكانه بعينه: جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه، وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال. ثم الجملة الإسنادية تكون خبرية، وهي التي لها خارج تطابقه أولاً، وإنشائية وهي التي لا خارج لها كالطلب وأنواعه. تم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذ كان للثانية محل من الإعراب: فينزل بذلك منزلة التابع المفرد نعتاً أو توكيداً أو بدلاً بلا عطف، أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب. ثم يقتضي المحل الإطناب أو الإيجاز فيورد الكلام عليهما. ثم قد يدل باللفظ ولا يراد منطوقه ويراد لازمه إن كان مفرداً، كما تقول: زيد أسد، فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة، وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد، وتسمى هذه استعارة. وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه، كما تقول: زيد كثير الرماد، وتريد به ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف؛ لأن كثره الرماد ناشئة عنهما، فهي دالة عليهما. وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ من المفرد والمركب، وإنما هي هيئات وأحوال للواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه، فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالات التي للهيئات والأحوال والمقامات، وجعل على ثلاثة أصناف: الصنف الأول يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال، التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال، ويسمى علم البلاغة، والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان. وألحقوا بهما صنفاً آخر، وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق: إما بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما أو طباق بالتقابل بين الأضداد وأمثال ذلك ويسمى عندهم علم البديع. وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان، وهو اسم الصنف الثاني؛ لأن الأقدمين أول ما تكلموا فيه. ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى، وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها. ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئاً فشيئاً إلى أن محص السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه، على نحو ما ذكرناه آنفاً من الترتيب، وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان، فجعل هذا الفن من بعض أجزائه. وأخذه المتأخرون من كتابه، ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد، كما فعله السكاكي في كتاب التبيان، وابن مالك في كتاب المصباح، وجلال الدين القزويني في
¥