ملتقي اهل اللغه (صفحة 12020)

فكانت أوضاعه أكثر لدورانه. وضمن الخليل ذلك كله في كتاب العين واستوعبه أحسن استيعاب وأوفاه. وجاء أبو بكر الزبيدي وكتب لهشام المؤيد بالأندلس في المئة الرابعة فاختصره مع المحافظة على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله، وكثيراً من شواهد المستعمل، ولخصه للحفظ أحسن تلخيص. وألف الجوهري من المشارقة كتاب الصحاح على الترتيب المتعارف لحروف المعجم، فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة، لاضطرار الناس في الأكثر إلى أواخر الكلم، فيجعل ذلك باباً. ثم يأتي بالحروف أول الكلمة، على ترتيب حروف المعجم أيضاً، ويترجم عليها بالفصول إلى آخرها. وحصر اللغة اقتداءً بحصر الخليل. ثم ألف فيها من الأندلسيين ابن سيده من أهل دانية في دوله علي بن مجاهد كتاب المحكم على ذلك المنحى من الاستيعاب، وعلى نحو ترتيب كتاب العين وزاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها، فجاء من أحسن الدواوين. ولخصه محمد بن أبي الحسين صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس. وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها، فكانا توأمي رحم وسليلي أبوة. ولكراع من أئمة اللغة كتاب المنجد، ولابن دريد كتاب الجمهرة، ولابن الأنباري كتاب الزاهر. هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه. وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من الكلم ومستوعبة لبعض الأبواب أو لكلها، إلا أن وجه الحصر فيها خفي، ووجه الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت. ومن الكتب الموضوعة أيضاً في اللغة كتاب الزمخشري في المجاز، وسماه أساس البلاغة، بين فيه كل ما تجوزت به العرب من الألفاظ، فيما تجوزت به من المدلولات، وهو كتاب شريف الإفادة. ثم لما كانت العرب تضع الشيء لمعنى على العموم، ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظاً أخرى خاصة. بها، فرق ذلك عندنا بين الوضع والاستعمال، واحتاج الناس إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ، كما وضع الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض، ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب، ومن الإنسان بالأزهر، ومن الغنم بالأملح، حتى صار استعمال الأبيض في هذه كلها لحناً وخروجاً عن لسان العرب. واختص بالتأليف في هذا المنحى الثعالبي، وأفرده في كتاب له سماه فقه اللغة، وهو من آكد ما يأخذ به اللغوي نفسه أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه. فليس معرفة الوضع الأول بكاف في التركيب، حتى يشهد له استعمال العرب لذلك. وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره، حذراً من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها، وهو أشد من اللحن في الإعراب وأفحش. وكذلك ألف بعض المتأخرين في الألفاظ المشتركة وتكفل بحصرها، وإن لم يبلغ إلى النهاية في ذلك، فهو مستوعب للأكثر. وأما المختصرات الموجودة في هذا الفن المخصوصة بالمتداول من اللغة الكثير الاستعمال تسهيلاً لحفظها على الطالب فكثيرة مثل الألفاظ لابن السكيت والفصيح لثعلب وغيرهما. وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهم على الطالب للحفظ. والله الخلاق العليم لا رب سواه.

فصل: واعلم أن النقل الذي تثبت به اللغة، إنما هو النقل عن العرب أنهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنهم وضعوها لأنه متعذر وبعيد، ولم يعرف لأحد منهم. وكذلك لا تثبت اللغات بقياس ما لم نعلم استعماله، على ما عرف استعماله في ماء العنب، باعتبار الإسكار الجامع؛ لأن شهادة الاعتبار في باب القياس إنما يدركها الشرع الدال على صحة القياس من أصله. وليس لنا مثله في اللغة إلا بالعقل، وهو محكم، وعلى هذا جمهور الأئمة. وإن مال إلى القياس فيها القاضي وابن سريج وغيرهم. لكن القول بنفيه أرجح. ولا تتوهمن أن إثبات اللغة في باب الحدود اللفظية؛ لأن الحد راجع إلى المعاني ببيان أن مدلول اللفظ المجهول الخفي هو مدلول الواضح المشهور، واللغة إثبات أن اللفظ كذا، لمعنى كذا، والفرق في غاية ظهور.

علم البيان

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015