وأقول لأخينا وميض: نحن لا نقبل الحكم من أحد حتى يكون عالما باللغة العربية، عارفا بأساليبها ومذاهبها، أو يكون طالب علم على سبيل العلماء، وأنا لا أرى في كلامك شيئا ينبغي أن نرد عليه، واعذرني إذا قلت لك: إن كلامك مضطرب اضطرابا شديدا لا مزيد عليه، وليس قائما على شيء، بل هو كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكيف نرد على لا شيء، وكيف نهدم شيئا ما بُني.
وأنا ضارب لك مثلا، أنت تقول:
هل نحن أغفلنا جانب الإيجاز اللغوي والمختصر في الحديث؟
وهذا من أغرب ما قرأت في حياتي، فإن الإيجاز ليس ممدوحا على كل حال، ولا الإطناب مذموما في كل حال، ولكن لكل مقام مقال.
لكن أقول: إن لغة العرب لا حشو فيها، وليس فيها تطويل في موضع لا يحسن فيه التطويل، وإذا أراد العربي أن يدل على شيء بكلام قليل دل عليه بأقل الكلام، وليست كذلك لغة الأعاجم.
فالأعاجم مثلا يقولون: we will go
فهذه ثلاث كلمات كما ترى.
والعربي يقول: سنذهب، فهذه كلمة واحدة.
وإذا أراد أن يزيد في مدة التنفيس قال: سوف نذهب، فهاتان كلمتان.
فترى أن الأعاجم تكلموا بثلاث كلمات فطال الكلام، وعلى طول ذلك الكلام فإنه لا يدل على مدة التنفيس.
وترى أن كلام العربي أقصر في الموضعين، وقد دل مع قصره على هذه المدة، وتلك لم تدل -مع طولها- على شيء من هذا.
والأعجمي يقول: be silent
والعربي يقول: اصمت.
فحاصل كلام القوم: كن صامتا، لأن be معناها كُن، وهذا تنطع وسفه وحمق، أما يكفيك أن تأمره بفعل أمر من الصمت.
فقد رأيت أنهم أطالوا في موضع لا ينبغي فيه التطويل.
ثم تراهم أرادوا أن يختصروا في مواضع أخرى ويقللوا الكلام فأفسدوه، وذهب منه البيان.
فالأعجمي يقول: go في كل أمر، سواء أكان الأمر لمذكر أم لمؤنث أم لاثنين أم لجماعة ذكور أم لجماعة نساء، ويزعم أن هذا من الاختصار، وليس هذا من الاختصار في شيء، وإنما هو فساد وخلل وضعف وقصور.
أما العربي فيقول: اذهب، واذهبي، واذهبا، واذهبوا، واذهبن.
ولا يسيغ العربي لحسن فصاحته وبيانه أن يقول لجماعة من النساء: اذهب، كما يخاطب المفرد المذكر بذلك.
فقد رأيت أنهم طولوا في موضع يقبح فيه التطويل، وقصروا في موضع ينبغي فيه التفصيل والتبيين.
والكلام في هذا كثير جدا، وبالله التوفيق.
ـ[أحمد بن حسنين المصري]ــــــــ[24 - 09 - 2012, 08:02 م]ـ
بارك الله في أديبنا، وشاعرنا.
قال حافظ إبراهيم وكأنه يخاطب أخانا (وميض):-
أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً * وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ
أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً * فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ
أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ * يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ * بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ
سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة ِ أَعْظُماً * يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي
حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه * لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ
وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ * حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ
أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً * مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ
وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً * فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي
أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ * إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ
سَرَتْ لوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى * لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً * مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ
إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ * بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شكاتِي
فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى * وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي
وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ * مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ
والسلام
ـ[وميض]ــــــــ[06 - 10 - 2012, 12:56 م]ـ
لا يفضض الله فاك يا أديب نجد، ولا حرمنا الله منك.
¥