ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[18 - 11 - 2011, 04:56 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن الذي دعاني إلى إنشاء هذا الحديث خبر قرأته في هذه الحلقة نقلته الأستاذة عائشة من كتاب (وفيات الأعيان) عن كتاب (الفصوص) لصاعد البغدادي، وهذه مشاركتها:
ألَّفَ صاعدٌ البغداديُّ كتابَ «الفُصوص» للمنصورِ، نَحَا فيه منحَى القالي في «أماليهِ»، ولَمَّا ظَهَرَ للمنصورِ كذبُهُ في النَّقْلِ، وعدَمُ تثبُّتِهِ؛ رمَى الكتابَ في النَّهْرِ، فقالَ بعضُ شُعراءِ عَصْرِهِ ساخِرًا:
قد غاصَ في البَحْرِ كِتابُ «الفُصُوصْ» ............ وهكذا كُلُّ ثقيلٍ يَغُوصْ
فلمَّا سَمِعَ صاعِدٌ هذا البيتَ؛ قالَ:
عادَ إلى عُنصُرِهِ إنَّما ............ يخرجُ من قَعْرِ البحورِ «الفُصُوصْ»
[انظُر: «وفَيَات الأعيان 2/ 489»]
وكتاب الفصوص كتاب جليل القدر، عظيم النفع، غزير الفوائد، فأردت أن أحاول في هذا الحديث أن أسبر هذا الخبر، وأستبين حاله، وبالله التوفيق.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[18 - 11 - 2011, 05:12 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قال محقق كتاب الفصوص الأستاذ عبد الوهاب التازي سعود في مقدمة التحقيق: "على أن أهم ما يجب أن يشار إليه هنا أنني استطعت أن أرفع الوهم الكبير الذي غشى عيون جميع من نظر إلى صاعد سابقا فاعتبره ممخرقا كذابا، والحق أن علم الرجل في الفصوص كشف عن معدن نفيس من علوم العرب أظهر التحقيق مصادرها المتعددة، وعلاقتها الوشيجة بمختلف معارفهم. كما كشفت الفصوص عن ذخائر من عيون تراثنا لم يسبق أن ظهرت في مؤلف آخر."
ومعنى كلام الأستاذ أنك إذا قارنت ما جاء في الكتاب مما وجد اليوم في غيره من الكتب بما في تلك الكتب رأيته مطابقا لها غير مخالف لها، فهل كان صاعد -رحمه الله- يعلم ما الذي سيصلنا من هذه العلوم فصدق فيها خشية أن يفتضح، وكذب فيما علم أنه سيضيع ولن يقف عليه الناس اليوم!
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[18 - 11 - 2011, 05:52 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
للأستاذ عبد الوهاب التازي سعود دراسة ممتازة اسمها: (صاعد البغدادي حياته وآثاره)، وقد عمل فيها عملا عظيما، واستقصى في النقل عن الكتب التي ترجمت لصاعد أو ذكرت شيئا من أخباره أو تكلمت عن كتابه الفصوص، والكتاب موجود على الشبكة، وسأنقل منه أشياء أختارها تقريبا لطالب العلم الذي لا ينشط لقراءة الرسالة كلها.
فمما أورده الأستاذ عبد الوهاب نقلا عن كتاب (المعجب) للمراكشي قوله:
"وألف له [أي: للمنصور بن أبي عامر] أبو العلاء هذا [هو صاعد البغدادي] كتبا، فمنها كتاب سماه كتاب الفصوص على نحو كتاب النوادر لأبي علي القالي، واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه، وعبر النهر نهر قرطبة، فخانت الغلام رجله، فسقط في النهر هو والكتاب، فقال في ذلك بعض الشعراء -وهو أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العريف- بيتا مطبوعا بحضرة المنصور، وهو:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ** وهكذا كل ثقيل يغوص
فضحك المنصور والحاضرون، فلم يرع ذلك صاعدا ولا هاله، وقال مرتجلا مجيبا لابن العريف:
عاد إلى معدنه إنما ** توجد في قعر البحار الفصوصْ"
فهذه الرواية كما ترى مخالفة لما روي من أن المنصور أمر برمي الكتاب في النهر، والله أعلم.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[19 - 11 - 2011, 08:17 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ولَمَّا ظَهَرَ للمنصورِ كذبُهُ في النَّقْلِ، وعدَمُ تثبُّتِهِ؛ رمَى الكتابَ في النَّهْرِ، فقالَ بعضُ شُعراءِ عَصْرِهِ ساخِرًا:
قد غاصَ في البَحْرِ كِتابُ «الفُصُوصْ» ............ وهكذا كُلُّ ثقيلٍ يَغُوصْ
هذا الكلام الذي نقلته الأستاذة عائشة وجدته في رسالة الأستاذ عبد الوهاب -ينقله عن وفيات الأعيان- هكذا:
"ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته رمى كتاب الفصوص في النهر، لأنه قيل له: جميع ما فيه لا صحة له، فعمل فيه بعض شعراء عصره ... "
** فترى هنا أن ما لون بالأزرق غير موجود في الكلام الذي نقلته الأستاذة عائشة، وهذا كلام له وزن، لأن معناه أن المنصور ما وقف على ذلك بنفسه واستيقن منه بل قاله له بعض الناس وصدقه، ولعل قائله من حساد صاعد ومناوئيه.
** وقد جعل الأستاذ عبد الوهاب هذا الكلام دليلا على أن ابن خلكان كان يشك في ما نسب إلى كتاب الفصوص من الكذب، قال الأستاذ عبد الوهاب: "ولعل عبارة (لأنه قيل له: جميع ما فيه لا صحة له) التي صاغها ابن خلكان تدل على عدم اقتناع المؤلف بهذه التهمة القادحة في الفصوص"
ثم قال كلاما يشبه هذا في موضع آخر من رسالته.
** والطبعة التي رجع إليها الأستاذ عبد الوهاب بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط1، 1948
أما الطبعة التي نقلت منها الأستاذة عائشة فإنها بتحقيق الأستاذ إحسان عباس.
** فإن قيل: كيف يقول ابن خلكان: "ولما ظهر للمنصور كذبه .. " ثم يقول: "لأنه قيل له .. "، فحاصل الكلام الأول أن المنصور استيقن من ذلك وعرفه، وظاهر الكلام الثاني أن هذا قيل له فعمل به ولم يختبره، ألا يجوز أن تكون العبارة الثانية مقحمة في الكتاب، وهي مع ذلك غير موجودة في نشرة إحسان عباس؟
قلنا: قد يجاب عن هذا بأن الخطأ واقع في الكلام الأول، وأن ابن خلكان لم يقل: "ظهر"، قال إحسان عباس في الحاشية: "ص: حكي"، فقد وقع في بعض النسخ: "ولما حُكِي للمنصور .... "، وهذا ينسجم مع قوله بعد ذلك: "لأنه قيل له".
والله تعالى أعلم
¥