ملتقي اهل اللغه (صفحة 11295)

فالأسانيدُ ليستْ محاكاةً لكتب الحديث أو التاريخ،وليست زينةً أو حليةً اعتادها أدباءُ ذلك الزمن.بل هي فكر عصرٍ كاملٍ،بأضوائه وظلماته،ونقائه وكدره،وسموِّه وطينه, كُثّف بأسماء أعلام وأخبارِ رجال (صوِّرَ بهدوء،ورُسمت ملامحه لوحة جميلة،فقُيّد عمرمتطاول).

نعم .. كان ابنُ (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) ينقل ما يراه ويسمعه ويقرأ عنه.فعَرَفتُ عصره من رجاله،وعَرَفتُ رجاله من عصره.

ولما خطوت ثانية باتجاه المتن،كان توقي - وأنا أخطو بتهيب - أن أُرْجع النص - قدرالمُكْنة والوُسْع - إلى صياغة لغةِ أصحابه، (فعبثٌ قيلُهم: إنّ إدمانَ تدبرِ أساليبِ مخطوطِ سِفْرٍ قديم يورق نسخةً صحيحةً كما خطها مؤلفها).

فكنتُ أعاود قراءةَ نصوصِ الكتاب - على مخطوطتيه،والنسخة الأوربية،وطبعة دارالكتب- مراراً.وفي كل قراءة كنت أتوقع سماعَ صوتِ حركةِ الأعراب والعرب والأخَرِالوافدين: وبَرَاً ومَدَراً .. حركةًً حية،وليست حركةَ طللٍ داثرٍ تزعزعه ريحُ شمألٍ جموح.

لكنني أعترف أنني - في كل مرة - كنت أسمع صوتي وصوتَ كاتبِ المخطوط أو صوتَ محققي الكتاب. وما كان الكلام أبداً شعوراً وهاجساً ورؤى.

** ** **

كان الزمان يمضي هوناً، وعزيمة كَدَّاء معه .. فانصرم من العمر أربعة عشر خريفاً كما الأحلام، وما حققت التوق بعد! فشعرت أول مرة - مذ عرفت ابن قتيبة- بالوَهْن. بل شعرت أن بركان غضب بدأ يتشكل داخلي. بل شعرت بمرارةٍ ولذعِ حرقةٍ كاوية.

كان شيءٌ كما العقم فيَّ .. خَواءٌ،وذهولٌ،وحيرةٌ،ويأسٌ،وإحباطٌ قاسٍ.

وفي لحظة جريحة قلت: الإسناد حالة،وصورةٌ لحياةٍ راحلةٍ.لكن المتنَ حركةٌ دؤوبٌ،زاخراً يتجدد،وليس كلاماً مواتاً.الإسنادُ معنى،والمتنُ مبنى.كلامٌ له نكهةٌ ورائحةٌ وطعمٌ.نحسه،ونتذوقه،ونكاد نشمه.بل نحن نشمه حقاً: سياقاً وعباراتٍ وبنى كلام.

فلم لا أفتل في غاربه وبيني وبينه قيد خطوة؟ ولم البناء الشاهق ألمحه ويداي بلا إقليد،وزادي صِفْر الوِطاب؟

كنت بحاجة إلى (كُمَيت امرئ القيس) الشيخِ محمود ثانية،بل ثالثة.

فناديتُ قَيْدَ أوابِده عشرات .. أتكيء على صهوة ساعديه القويين،فأستدل على الصُّوى،وأعي مساربَ الدورب.

ناديته كثيراً .. سنة أو تزيد. ولما تكسرت قواربي،وعيل مرادي،رفعتُ راياتي وصرختُ بصوتٍ عالٍ: لِتَعَرْ كلُّ عيونِ مباهجِ الماضي،وكلُّ متع التراث،وكلُّ أضواء المعاني،ما دمتُ وسير خطوة - نحو بلوغ الغاية - عاجزاً!

لكنه - وكما في الروايات - جاء.

حقاً جاء،ولا أعرف كيف أتى!

جاء محمود محمد شاكر نفسه،بلبوس جديد،واسم جديد:

عز الدين البدوي النجار أبو هاشم اسمه.

ومحمود محمد شاكر عنوانه.

وتراث الأمة موطنه.

(شحذ كليلاً،وأيقظ هاجعاً،وبَعَث وسنان آيساً).

أشعل في نفسي الكثير،وأضاء أمامي الكثير، فملكت قِيد الخطوة.

واليوم - وهاهو العمل قد أينع،وآتت أُكُله كما رجوتها - كان لابد من هذا الكلام كله،وكان لابد من حكاية قصة ابن (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) وعيون الأخبار (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) .

والمصدور ينفث، .. والقلم يجيش.

** ** **

ابن (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) والحياة السياسية

عاش ابن (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) ، واسمه أبو محمد عبد الله بن ِمسلم بن قُتيبة الدِّينَوَري،بين نقيضي عصري خلافة: عصراً عباسياً أولاً: ذا طابع ساساني أرستقراطي،فمولده سنة هجرية،من أسرة فارسية سكنت مدينة مَرْو بخُرَاسان،في فترة حكم المأمون عبدالله بن هارون الرشيد، سابع خلفاءبني العباس.وعصراًمضطرباًثانياً، لُحْمته غلبةالأتراك، وسُداه كثرةالتوليةوالعزل. (فالاضطراب في الخلافة العباسية ابتدأ منذ ولاية الخليفة الحادي عشر المنتصر بالله سنة 247 هجرية، وكان عمر ابن (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015