الأولى؟ فترة سالم الكاتب وابن المقفع - تغلب أنصار الثقافة الفارسية، إذ لم يستطع سالم؟ فيما يبدو - وهو ميال إلى الثقافة اليونانية، أن يباري منافسا قويا مثل ابن المقفع الذي اضطلع بدور كبير في نقل الثقافة الفارسية، بل يبدو أنه كان حينئذ نقلة آخرون لتلك الثقافة عدا ابن المقفع، وشاهد ذلك الكتاب الذي رآه المسعودي باصطخر سنة 303 وكان مما ترجم عن الفارسية لهشام بن عبد الملك، وفيه علوم كثيرة من علوم الفرس وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياستهم مما لم يوجد في كتب أخرى (?) ؛ وما دام المسعودي لم ينسبه إلى ابن المقفع، فربما أشار هذا إلى وجود مترجم آخر أو مترجمين آخرين. وكان أكثر المنقولات عن الفارسية يتصل بالسياسة عامة؛ سواء أكانت الكتب المترجمة تتناول قواعد السياسة النظرية أو العهود أو سير الملوك أو آداب الآيين، حتى وقر في النفوس حينئذ أن " السياسة " مقصورة على الفرس، مثلما أن فضيلة الشعر مقصورة على العرب؛ ولهذا كان اتجاه سالم ومن حوله ينحو نحو ترجمة آثار سياسية يونانية دون سواها، وكان في مقدمة ذلك تلك الرسائل المنحولة لأرسطاطاليس، ليوازوا بذلك جهود أنصار الثقافة الفارسية في هذا المضمار.

ومع أن الحقبة الثانية من حقب الترجمة قد اتجهت إلى الآثار اليونانية الفكرية والعلمية، وعرجت على النصوص السياسية تتطلبها حيثما وجدتها، وترجمها إلى العربية، فإن الصبغة " الفارسية " في السياسة، ظلت هي المسيطرة في هذا الجانب الثقافي، وخاصة لأن أغلب السياسيين حول المأمون كانوا من الفرس، حتى المأمون نفسه لا يزال يأمر معلم الواثق بالله أن يعلمه؟ بعد كتاب الله - عهد أردشير ويحفظه كليلة ودمنة (?) ؛ وقد ظلت طبقة البيروقراطية في الدولة تتجه نحو الثقافة الفارسية، فالكاتب يكتفي بأن يروي لبزرجمهر أمثاله، ولأردشير عهده ولابن المقفع أدبه، وبأن يصير كتاب مزدك معدن علمه ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته (?) ؛ ويظل الحذر من الثقافة اليونانية إلى ما بعد ذلك بزمن عند مؤلفي كتب الأدب، أمثال ابن قتيبة، فإن ما أورده مما يتصل بالسياسة من تراث الفرس، لا يقف إلى جانبه تلك الأقوال

طور بواسطة نورين ميديا © 2015