ثم عاد إلى القاهرة في ذى القعدة، وشرع في التجهز والاستعداد لسفر الشام، فجمع العساكر، واستكثر من السلاح، فأمر بهاء الدين قراقوش باتمام السور الداير على مصر والقاهرة.
ثم برز السلطان من القاهرة، وخرج الناس لوداعه، فمن عجيب ما ذكر في الاتفاق أن السلطان بينما هو في سرادقه، والعلماء والفضلاء عنده، وكل منهم ينشد بيتا [أو أبياتا] (?) في الوداع، إذ أخرج أحد مؤدبى أولاده رأسه، وأنشد مظهرا بذلك فضليته:
تمتّع من شميم عوار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
فخمد نشاط السلطان، وانقبض انبساطه، وجعل الجماعة ينظرون بعضهم لبعض متعجبين من سوء أدب المؤدب، وكأنه نطق بما هو كائن في الغيب، فإن السلطان فارق الديار المصرية هذه النوبة، واشتغل بما سنذكره من الفتوحات والغزوات، وتمادى الحال إلى أن قضيت منيته بدمشق، ولم يعد بعد ذلك إلى الديار المصرية، فكان كما قيل: «الفال موكل بالمنطق».
ثم سار السلطان متوجها إلى الشام لخمس مضين من المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وجعل طريقه على أيلة، وكان قبل سفره قد غدر الفرنج، ونقضوا عهدهم، واستولوا على تجار في البحر وغيرهم، فقدر الله سبحانه بطسة (?) للمسلمين