وَفِي الْفَائِقِ: هِيَ عَلَى مِفْعَلَةٍ مِفْعَالَةٍ مَطْهَرَةٌ كَبِيرَةٌ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي النِّهَايَةِ بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ، وَقَدْ يُمَدُّ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ طَلَبَ مَطْهَرَةً (كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ) ، أَيْ: قَلِيلٌ (مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ) : يَعْنِي وُضُوءًا وَسَطًا، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَوَافَقَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَنْجَى فِي هَذَا الْوُضُوءِ بِالْحَجَرِ لَا بِالْمَاءِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ يُتَوَضَّأُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ مِنَ التَّثْلِيثِ بِأَنِ اكْتَفَى بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ (قَالَ) ، أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ (احْفَظْ عَلَيْنَا) ، أَيْ: لِأَجْلِنَا (مِيضَأَتَكَ) ، أَيْ: ذَاتَهَا وَمَا فِيهَا (فَسَيَكُونُ لَنَا نَبَأٌ) ، أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ، وَشَأْنٌ جَسِيمٌ، وَفَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَنَتِيجَةٌ جَمِيلَةٌ يُتَحَدَّثُ بِهَا وَيُرْوَى حِكَايَتُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: مُعْجِزَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْآذَانِ لِلْقَضَاءِ كَمَا هُوَ سُنَّةٌ لِلْأَدَاءِ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: سُنَّةَ الصُّبْحِ لِفَوْتِهَا مَعَ فَرْضِهِ الْمُؤَدَّيَيْنِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا إِذَا فَاتَتْ وَحْدَهَا فَلَا قَضَاءَ لَهَا إِلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لَكِنْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا وَبَعْدَ الزَّوَالِ لَا تُقْضَى اتِّفَاقًا (ثُمَّ صَلَّى الْغُدْوَةَ) ، أَيْ: فَرْضَ الصُّبْحِ قَضَاءً (وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيَا إِلَى النَّاسِ) ، أَيِ: النَّازِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ (حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ) ، أَيِ: ارْتَفَعَ (وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ) ، أَيِ: اشْتَدَّ حَرَارَتُهُ (وَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا) ، أَيْ: مِنْ حَرَارَةِ الْهَوَاءِ (وَعَطِشْنَا) : بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ: مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ (فَقَالَ: لَا هُلْكَ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: لَا هَلَاكَ (عَلَيْكُمْ) : وَهُوَ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ (وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ) ، أَيِ: الْمَاءَ (وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ (فَلَمْ يَعْدُ) : مُضَارِعُ عَدَا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ (أَنْ رَأَى النَّاسُ) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: رُؤْيَتُهُمْ (مَاءً) ، أَيْ: كَثِيرًا (مِنَ الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَزَاحَمُوا (عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى الْمِيضَأَةِ مُكِبًّا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَضْبُطِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَقَعَتْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ وَإِثْبَاتِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَتَكَابُّوا وَلَيْسَ فِي مُسْلِمٌ، وَلَا فِي شَرْحِهِ الْفَاءُ، وَأَنْ رَأَى النَّاسُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ رُؤْيَةُ النَّاسِ الْمَاءَ إِكْبَابَهُمْ فَتَكَابُّوا، وَإِنْ مَفْعُولًا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزِ السَّقْيُ أَوِ الصَّبُّ رُؤْيَةَ النَّاسِ الْمَاءَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَهِيَ كَبُّهُمْ عَلَيْهِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحْسِنُوا الْمَلَأَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْخُلُقَ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَلَأُ مُحَرَّكَةً الْخُلُقُ، وَمِنْهُ: أَحْسِنُوا إِمْلَاءَكُمْ أَيْ: أَخْلَاقَكُمْ. وَفِي الْفَائِقِ: الْمَلَأُ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ لِلْخُلُقِ الْحَسَنِ مَلَأٌ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ مَا فِي الرَّجُلِ وَأَفْضَلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِكِرَامِ الْقَوْمِ وُجُوهَهُمْ مَلَأٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْكِرَامِ مَلَأٌ لِأَنَّهُمْ يَتَمَالَئُونَ أَيْ: يَتَعَاوَنُونَ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُمْ يَمْلَأُونَ الْمَجْلِسَ أَوْ يَمْلَأُونَ الْعُيُونَ عَظَمَةً أَوْ بِحَشَمِهِمْ وَخَدَمِهِمْ كَثْرَةً (كُلُّكُمْ سَيُرْوَى) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: جَمِيعُكُمْ تَرْوُونَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَلَا تَزْدَحِمُوا وَلَا تُسِيئُوا أَخْلَاقَكُمْ بِالتَّدَافُعِ.
(قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (فَفَعَلُوا) ، أَيِ: النَّاسُ إِحْسَانَ الْخُلُقِ وَلَمْ يَزْدَحِمُوا حَيْثُ اطْمَأَنُّوا (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُبُّ، وَأَسْقَاهُمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي) ، أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ ( «وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: اشْرَبْ فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ» ) ، أَيْ: شُرْبًا: كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَلَا شَكَّ، أَنَّ السَّاقِيَ حَقِيقَةً هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُنَافِي قَوْلَ أَبِي قَتَادَةَ: وَأَسْقِيهِمْ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى.