وَقَوْلُهُ: {إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] أَيْ: مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ الْمُسْتَأْصَلِ، فَإِنْ لَمْ يَخَافُوا نَزَلَ، أَوْ بِغَيْرِ الْمُقْتَرَحَةِ كَالْمُعْجِزَاتِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَّا تَخْوِيفًا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ أَمْرَ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَالتَّخْوِيفُ مَطْلُوبٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ، وَأَكَّدَهُ حَيْثُ أَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لِابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِي عَدِّهَا تَخْوِيفًا؟ قَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ كُنَّا نَعُدُّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ طَلَبٍ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْبَرَكَةُ آيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ، وَأَنْتُمْ تَحْصُرُونَ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ عَلَى الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَخَافَةُ الْعُقُوبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِقَوْلِهِ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ» ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيِ الْمَاءِ (الْمُبَارَكِ) ، أَيِ: الْكَثِيرِ الْبِرْكَةِ، وَالْمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَيْهِ وَأَسْرِعُوا (وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ: لَا مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ. (ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا) ، أَيْ: أَحْيَانًا (نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ) . وَذَكَرَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْنَا التَّسْبِيحَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.