5910 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا.
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ. فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: (اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ) فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: (حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
5910 - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ) ، أَيِ: الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ (بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا) ، أَيْ: إِنْذَارًا وَهَلَكَةً. قَالَ شَارِحٌ: وَسُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا عَلَامَةُ نُبُوَّتِهِ، فَقِيلَ: أَرَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَنْفَعُ فِيهِمْ إِلَّا الْآيَاتُ الَّتِي نَزَلَتْ بِالْعَذَابِ وَالتَّخْوِيفِ، وَخَاصَّتَهُمْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ كَانَ يَنْفَعُ فِيهِمُ الْآيَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْبَرَكَةِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَرِيقَ الْخَوَاصِّ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الْمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ، وَسَبِيلَ الْعَوَامِّ مَبْنِيٌّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَوْفِ وَالْعَنَاءِ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُونَ بِالطَّائِرِينَ الْمَجْذُوبِينَ الْمُرَادِينَ، وَالْآخِرُونَ بِالسَّائِرِينَ السَّالِكِينَ الْمُرِيدِينَ، وَتَفْصِيلُ هَذَا الْمَرَامِ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] وَالْآيَاتُ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُعْجِزَاتُ، أَوْ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلَةُ، وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِ الْمُوَافِقِ بَرَكَةٌ وَازْدِيَادٌ فِي إِيمَانِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَالِفِ الْمُعَانِدِ إِنْذَارٌ وَتَخْوِيفٌ. يَعْنِي لَا نُرْسِلُهَا إِلَّا تَخْوِيفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ الْعَاجِلِ كَالطَّلِيعَةِ وَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ، وَفِيهِ مَدْحٌ لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ اسْتَعَدُّوا بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَلَزِمُوا طَرِيقَتَهُ، وَذَمٌّ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ قُلْتُ. إِيرَادُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْمَرَامِ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ: وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ، أَيْ: بِالْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} [الإسراء: 59] .