قد ذكرنا خروجَه من مكة إلى أرض العراق، ونذكر مقتلَه، وما يتعلَّقُ به: بينا الحسين - رضي الله عنه - يقصد مكانًا ينزل به وقد سار عن القادسية؛ إذا سوادٌ عظيم قد أقبل، فظنُّوه النَّخْل، وإذا هو هوادي الخيل (?) قد أقبلَتْ كالليل المظلم، وكان ابنُ زياد قد جهَّز إليه الحرّ بن (?) يزيد التميمي؛ على مقدمته الحصين بن تميم الكوفي (?) في أربعة آلاف، وقيل: في ألف فارس، كأنَّ راياتِهم أجنحةُ الطيور، وأسنَّتَهم اليعاسيب، فأمر الحسينُ - رضي الله عنه - بأبنيته فضُربت، وجاء القوم فوقفوا بإزائه، وكان مجيئُهم من القادسية، وكان الحُصين بن تميم على شرطة ابنِ زياد، ولم يزل الحرّ بن يزيد مُواقفًا للحسين - رضي الله عنه - حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين - رضي الله عنه - الحجَّاج بن مسروق الجُعفيّ فأذَّن.
فلمَّا حضرت الإقامة خرج الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنها معذرةٌ إلى الله تعالى وإليكم، إني لم آتكم حتى أتَتْني كُتُبكم، وقد قَدِمَتْ علي رُسُلُكم أنِ اقْدَمْ علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعلَّ الله تعالى أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ، فإن كنتُم على ذلك فقد جئتُكم، وإنْ كنتُم لقدومي كارهين رجعتُ إلى المكان الذي جئتُكم منه. فلم ينطقوا، وقالوا للمؤذِّن: أقم الصلاة. فقال الحسين - رضي الله عنه - للحُرِّ: أتريدُ أن تصليَ بأصحابك؟ قال الحرّ: لا، بل أنتَ تُصلِّي بأصحابك، ونحن نُصلِّي بصلاتك. فصلى بهم الحسينُ - رضي الله عنه -، وعاد إلى فُسطاطه، وانصرف الحُرُّ إلى خيمته (?).