ثانيًا: هل تنظيم الأسرة بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز من الناحية الدينية؟ والجواب: أن تنظيم الأسرة أو النسل بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز شرعًا وعقلًا متى كانت هناك أسباب تدعو إليه، وهذه الأسباب يقدرها الزوجان حسب ظروفهما، فقد تنشأ أسباب تدفع الإنسان إلى تنظيم أسرته أو نسله، وقد ذكر الفقهاء قديمًا وحديثًا جملة من الأسباب التي تبيح للزوجين تنظيم نسلهما.
ومن الفقهاء القدامى الذين فصلوا الحديث عن هذه المسألة، الإمام الغزالي المتوفى سنة 505هـ، فقد قال في كتابه إحياء علوم الدين ج/2 ص (51) : (وأما العزل – وهو أن يقذف الرجل ماءه خارج الرحم منعًا للحمل، فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته ... والصحيح عندنا أن ذلك مباح) .
ثم قال رحمه الله: (والنيات الباعثة على العزل خمس:
الأولى: في السراري، وليس منهيًا عنه.
والثانية: من أجل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع بها واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الطلق، وهذا أيضًا ليس منهيًا عنه.
والثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء، وهذا أيضًا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين.
نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره، لا نقول إنه منهي عنه) .
ولقد لخص فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في كتابه تنظيم النسل ص 8 جانبًا من كلام الإمام الغزالي في هذه المسألة فقال: (يرى الإمام الغزالي أن منع الولد مباح ولا كراهة فيه. قال: لأن النهي إنما يكون بنص أو قياس منصوص، ولا نص في الموضوع ولا أصل يقاس عليه بل عندنا في الإباحة أصل يقاس عليه وهو ترك الزواج أصلًا أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج، أو ترك التلقيح بعد المخالطة، فإن كل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل فليكن منع الحمل بالعزل أو ما يشبهه مباحًا ... ) .