وقال ابن مرزوق: لم أقف على هذا لأحد من قدماء أهل المذهب غير المارزي.
وقال عياض في كتاب الإمارة من شرحه على صحيح مسلم: ما ظاهره، الاتفاق على جواز الطلب في هذه الحالة (?)
وما خصه السائل بمزيد الاهتمام ففي السؤال الملقى على المجمع الموقر بالذكر من الصناعات الذرية، والدراسات الاستراتيجية فجوازه للمسلم أحرى لأنه إن وجه إلى الشر حاول المسلم بكياسة منعه كلية أو التخفيف منه في حدود ما تسمح به إمكانياته وإن وجه إلى الخير دفعه بكل ما أوتي من مكانة وظيفية، وخبرة علمية، وإخلاص في البر بالناس، قال ابن جزي من المالكية: ويستدل بطلب يوسف الولاية، رغبة منه في العدل، وإقامة الحق الإحسان، على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر: إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال (?) ولنقف عند قوله: "بعض الأحوال" ولنتأمل مدى واقعيته، فلم يقل: كل الأحوال وذلك هو المشروع والمعقول، وفعل رسول الله يوسف عليه السلام في قطر لا يوجد فيه مؤمن سواه يثبت أصول الفضائل التي اقتضتها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام فهؤلاء المغتربون من المؤمنين شموع تضيء وسط حالك ظلام الكفر، إن أخلصوا لرب العالمين، هذا أولًا.
وثانيًا: هنالك ضرورة إسلامية إلى معرفة التخطيط العلمي للأشياء، والصناعات الذرية المندرجة ضمن الواجبات الكفائية، في حق الأمة الإسلامية كما تنطق بذلك النصوص الفقهية، قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله وهو يتحدث عن العلوم الواجبة كفائيًا: "أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في بقاء حاجة الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها.
وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها، حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين.
فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة (?)
وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله وهو يقرر ما يجب وجوبًا كفائيًا على المسلمين من العلوم والصناعات: "وأما فرض الكفاية من العلم فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب واللغة.. وأصول الصناعات كالفلاحة والحياكة والنسيج والسياسة والحجامة" (?)
وفي حاضرنا الإسلامي إذا لم تعلم أمة الإسلام بعمق علم التخطيط والصناعات والذرية حرجت وإذا تعلم عدد من المسلمين ذلك بمقدار ما فيه الكفاية ارتفع الإثم عن الجميع.
والعلم بالنسبة إلى الإسلام لا يعرف حدود المكان ولا حدود الزمن ولا يتقيد بدين الشخص ليقع التعلم عليه، بل هو مطلق من كل ذلك، فقد روى العسكري من حديث عنبسة بن عبد الرحمن عن شبيب بن بشير عن أنس رفعه: ((العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه)) (?) بالمفهوم الذي تضمنه السياق كله هذا ما فتح الله به على في الإجابة عن هذا السؤال ولا أراه مندرجًا في باب الإجارة، وإنما هو من صميم الأحكام السلطانية والله أعلم.