هذا والذي يبدو لي من خلال ما نقلته من نصوص أن عدم الاعتماد على الحساب ليس راجعًا إلى بطلانه، وعدم الوثوق بصحة نتائجه في الواقع إذ لا أحد من الفقهاء يقول بتزييفها بعد التفريق بين التنجيم الذي هو استدلال بحركة الأفلاك على الحوادث، والذي فيه ادعاء علم الغيب، وبين الحساب الذي هو علم صحيح، بل رأينا حذاق الفقهاء يصرحون بإفادته القطع، إذ لم يقع خطأ من الحاسبين كالعلامة شهاب الدين القرافي، وإنما كل ما في الأمر أن الشارع ألغى ربط الصوم بخروج الهلال من شعاع الشمس دفعًا للعسر؛ إذ لا يتسنى ذلك إلا ليسير الأفراد وربطه برؤية خروج الهلال من شعاع الشمس، أو بإكمال العدة ثلاثين، رحمة بالمكلفين وتيسيرًا عليهم، إذ هو متآت لجماهيرهم والإلغاء شيء والبطلان شيء آخر كما يعرف ذلك من علم أصول الفقه.

وأما استفسار الإخوة المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية والأقطار الأوربية عن قبول حساب الكفار المشرفين على المراصد في هذه الأصقاع فمردود من وجهتين:

1- أن العمل بالحساب في الصوم والفطر والاستغناء عن الرؤية لا يجوز كما أسلفت.

2- أن الكفار لا تقبل شهادتهم ولا روايتهم في أمور الديانة، قال سعد الدين التفتزاني في التلويح عند اشتراط صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود في قبول خبر الواحد في الديانات ورد حبر الكافر فيها مع أن الكذب حرام في كل دين.

وتوجيه ذلك: وربما كان الكافر مستقيمًا في دينه، فيغلب على الظن صدقه، ومع ذلك يرد قوله في الديانات لأن شأن الكافر التعصب على دين الإسلام وهدم أركانه بقدر الطاقة، وعدم المبالاة فيه، فيرد قوله فيه، فظهر أن رد قول الكافر لا لأنه يصدق أو يكذب بل لأن صاحب الشرع من أصوله المؤسسة في هذا الدين أن أقوال المعتوه والكافر كلها ساقطة عن الاعتبار في الديانات، والقول الفصل أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: إني رأيت الهلال، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا)) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015