وأما الفرع الثاني وهو إذا لم يستطع الجمع بين عمله وبين الصيام فيجب أن يكون السبب وهو حصول مشقة يتعذر معها الصوم عادة مطردة في أنه يوجد ووجد بالفعل، أي صام هؤلاء الإخوة في بلاد الغربة من شمال أوربا وأجهدهم الصوم إلى حد لم يستطيعوا معه القيام بأعمالهم، ولو قرنوا بين الصوم والعمل لأضر بهم في أبدانهم، وأموالهم، فهؤلاء يرخص لهم في الفطر عند حصول ذلك بالفعل لا أنهم منذ الليل يظنون أن ذلك سيحصل فينوون الفطر ويصبحون مفطرين فيلزمهم القضاء والكفارة، لأن أهواء النفوس الأمارة بالسوء تقدر أشياء لا حقيقة لها وإنما هي من إملاء الشيطان فليحذر إخوتي في بلاد الغربة أن يقولوا مقالة الجد بن قيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم السالفة الذكر، وفي نوازل البرزلي الفتوى عندنا: أن الحصاد المحتاج يجوز له الحصاد وإن أدى إلى الفطر، وإلا كره له، بخلاف رب الزرع فلا حرج عليه مطلقًا لحراسة ماله وقد نهي عن إضاعة المال.
قال ميارة معقبًا على كلام البرزلي بعد نقله: وإنما يجوز الفطر للحصاد بعد أن تناله الضرورة لا قبل ذلك فلا يجوز أن يصبح مفطرًا، إذ من الجائز أن يصده أمر عن الحصاد رأسًا في ذلك اليوم فيكون كمن أفطر قبل أن يسافر أو في يوم الحيض قبل مجيئه.
قال شيخنا الإمام العالم أبو زيد عبد الرحمن الفاسي رحمه الله في بعض فتاويه ما نصه: ينبغي تقييد مسألة رب الزرع بعدم إمكان استئجاره لمن ينوب عنه في ذلك ممن يكون محتاجًا ومضطرًا للأجرة على ذلك، إما بأن لا يكون له مال يستأجر به على زرعه، أو يكون ولكن لا يجد من يستأجره على ذلك كما تقرر في مسألة الحامل والمرضع، وإما إن وجد ما يستأجر به، ومن يستأجر فلا يتعاطى ذلك ويدخل نفسه فيما يضطره إلى الفطر لعدم الضرورة حينئذ، ووجود المندوحة عن إضاعة المال.. ومثل مسألة الحصاد ما أفتى به الإمام ابن عرفة من أن المرأة المحتاجة يجوز لها غزل الكتان في رمضان دون غيرها (?)
وعلى ضوء فتاوى الأسلاف من فقهاء بخارى والبرزلي وشيخه الإمام ابن عرفة أفتي إخواني في بلاد الغربة من شمال أوربا أنهم يصومون رمضان كسائر إخوانهم المسلمين نهارهم، ويفطرون ليلهم لوجود ليل ونهار متمايزين، ويقومون بأعمالهم المحتاجين إليها في معاشهم، أو التي يلزم من عدم القيام بها إضاعة أموالهم فإن أجهدتهم مشقة الصوم إجهادًا يعود عليهم بالضرر ورخص لهم في الفطر كما رخص للحصادين المحتاجين للأجرة بدون كراهة إن كانوا محتاجين إليها، وإن كانوا غير محتاجين لحراسة ماله، وقد نهي عن إضاعته إن كانوا من أصحاب المصانع أو الورشات أو غير ذلك والله أعلم.
حرره الفقير إلى مولاه الغني محيي الدين قادي.