أما الفرع الأول فقد تقرر أن قصد الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهوائها، وعوائدها، فلا تعتبر في شرعية الرخصة بالنسبة إلى أكل من هويت نفسه أمرًا، ألا ترى كيف ذم الله تعالى من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص كقوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} الآية، لأن الجد بن قيس قال: إيذن لي في التخلف عن الغزو ولا تفتني ببنات الأصفر فإني لا أقدر على الصبر عنهن، وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} الآية، ثم بين القدر الصحيح في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} الآيات، فبين أهل الأعذار وهم الذين لا يطيقون الجهاد وهم الزَّمْنَى والصبيان والشيوخ والمجانين والعميان ونحوهم، وكذلك من لم يجد نفقة أصلًا ولا وجد من يحمله، وقال فيه {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ومن جملة النصيحة لله ورسوله أن لا يبقوا من أنفسهم بقية في طاعة الله ألا ترى إلى قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} وقال {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ} الآية، فما ظنك فيمن كان عذره هوى نفسه؟ نعم وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها.

وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم وأحوالهم وتنعماتهم على وجه لا يفضي إلى مفسدة، ولا يحصل بها المكلف على مشقة، ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا أخذه على الوجه المحدود له فلذلك شرع له ابتداء رخصة السلم، والقراض، والمساقاة وغير ذلك مما هو توسعة عليه، وإن كان فيه مانع في قاعدة أخرى، وأحل له من متاع الدنيا أشياء كثيرة، فمتى جمحت نفسه إلى هوى قد جعل الشرع له منه مخرجًا وإليه سبيلًا، فإن لم يأته من بابه كان هوى شيطانيًا واجبًا عليه الانفكاك عنه كالمولع بمعصية من المعاصي فلا رخصة له البتة، لأن الرخصة هنا هي عين مخالفة الشرع بخلاف الرخص المتقدمة فإن لها في الشرع موافقة إذا وزنت بميزانها" (?)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015