السؤال الثاني والعشرون

بعض الأقطار في شمال أوربا يقصر فيها الليل كثيرًا، ويطول فيها النهار، حيث تصل ساعات الصيام في بعض هذه البلدان إلى عشرين ساعة أو تزيد، وكثير من المسلمين يجدون مشقة زائدة في الصيام، هل يجوز اللجوء في هذه البلدان إلى التقدير؟ وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده إذا كان جائزًا؟ وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكة؟ أو بساعات النهار في أقرب البلدان اعتدالًا، أو بماذا؟

وإذا لم يكن ذلك جائزًا، فهل يعتبر هذا النوع من المشقة من المشاق التي يجب على المسلم احتمالها، والصبر عليها مع احتمال الضرر؟ وهل يجب عليه أن يترك عمله في شهر الصيام، إذا لم يكن بمقدوره الصيام إلا بترك العمل من قبيل ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب؟

وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي الفتح والتسديد في السؤال المطروح ليل قصير، ونهار طويل، ليل طوله ثلاث ساعات ونهار طوله إحدى وعشرون ساعة، ومجموع الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالحكم يكون منوطًا بطلوع الفجر الصادق وغروب الشمس فيجب على المسلم المكلف صوم نهاره، وإفطار ليله، قال تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فجعل تبارك وتعالى الليل ظرفًا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفًا للصيام، فبين أحكام الزمانين، وغاير بينهما، فلا يجوز في النهار شيء مما أباحه في الليل إلا لمريض أو مسافر، شرعًا عامًا خالدًا لسائر أصقاع الدنيا لا فارق بين قطر وقطر، قال العلامة شهاب الدين القرافي من المالكية في كتابه "اليواقيت في أحكام المواقيت": "مسألة من نوادر أحكام المواقيت، فتيا جاءت من بلاد البرغال (هكذا) من الإقليم السابع إلى بخاري يقولون فيها: " إنه جاءنا رمضان وطول الليل نحو ثلث ساعة إن اشتغلنا بالفطر طلع علينا الفجر قبل أن نصلي المغرب والعشاء، وإن اشتغلنا بالصلاة فاتنا الفطر لضيق الزمان بأيهما نبدأ؟ وأيهما يفوت؟ فأفتاهم فقهاء بخارى بالاشتغال بالفطر، وتفويت الصلاة لأن مصلحة الأجساد مقدمة على العبادات، بدليل المريض يسقط الطهارات، وإن كان الصلوات والصوم وغير ذلك.

وهذا الفرض ممكن قطعًا، وواقع فيما إذا كان عرض البلاد نيفا وستين درجة.. فهذه الفتيا صحيحة، وواقعة غير أن هذه الحالة لا تدوم في جميع الأعوام، بل تصادف رمضان في بعض السنين، وفي بعضها لا تصادفه بحسب اختلاف الشمس مع حركة القمر والهلال.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015