وجاء في العتبية عن ابن القاسم أنه قال: " وسمعت مالكًا يقول: أكره جبن المجوس لما يجعل فيه من أنافح الميتة، وأما السمن والزيت فلا أرى به بأسًا إذا كانت آنيتهم لا بأس بها، فإن كان في آنيتهم بعض ذلك فلا أرى أن يؤكل، وإن شككت في آنيتهم، وكانوا يأكلون الميتة فلا أحب ذلك (?)

قال ابن رشد في شرحه المذكور سابقًا: أما المجوس فبين أنه لا خير فيه لأنه إنما يجعلون فيه من أنافيح ذبائحهم التي لا تحل لنا، فقوله: أكره ذلك لفظ فيه تجاوز، وقد روي أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر أن المجوس لما رأوا المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن أهل الكتاب عمدوا فصلبوا (أي جعلوا عليه صورة صليب) على الجبن كما يصلب أهل الكتاب ليشترى من جبنهم فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما تبين لكم أنه من صنعتهم فلا تأكلوه، وما لم يتبين لكم فكلوه ولا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم" (?)

والخلاصة أن طعام أهل الكتاب وغير أهل الكتاب لا علاقة له بالذكاة ولا يحتوي على شيء من النجاسات المحرمة علينا حلال أكله، وإن ترك أكله خشية نجاسة محرمة من المسلم تورعًا فحسن، وقد تورع عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود في خاصة أنفسهم رضي الله عنهم عن أكل الجبن مخافة أن يكون من جبن المجوس (?)

هذا وقد اقتصرت في هذه الفتوى على مذهب الإمام رحمه الله غالبًا (?)

وبناء على كل ما سبق واعتمادًا على ما نقلته عن فقهاء مذهب إمام دار الهجرة، أفتي المسلمين في أي صقع من أصقاع الأرض كانوا بإباحة ذبائح أهل الكتاب ولو كانوا يذكونها بحطم الرأس وفتل العنق من غير ذكر اسم الله عليها، إذا أكل منها أحبارهم ورهبانهم ما لم تكن محرمة علينا بالخصوص، كالميتة إن كانوا يستحلونها وكالخنزير الذي هو حلال عندهم، أو محرمة عليهم في كتابنا فلا تعمل فيها ذكاتهم كالإبل والأوز وكل ذي ظفر المحرم عند اليهود، وبكل الأطعمة التي طهيت بها، وبالشراء من جزاريهم رخصة من الله لنا وتيسيرًا علينا، وبإباحة أكل ما يقدمونه في مطاعمهم من شتى صنوف الأطعمة والفواكه ما لم نقطع باحتواء بعضها على نجاسة فلا يحل لنا أكلها من غير بحث منا عن ذلك، ومن تورع من المسلمين عن أكل بعض الأطعمة خشية احتوائها على نجاسة فحسن لتورع ثلة من السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم عن أكل الجبن خشية أن يكون جبن المجوس.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة والله أعلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015