وأما ما له علاقة بالذكاة كجبن الروم الوارد علينا من النصارى من سائر أصقاع العالم فإن شاهده يجبن بأنفحة الميتة أو الخنزير أو يجعل بعد تجبينه في بطون الخنازير ليحل ما فيها من الودك إليه، أو كتب عليه من طرف المصنع إعلان بذلك أو تواتر ذلك حتى حد القطع فلا يحل لنا أكله؛ لأن الله حرم علينا بالخصوص الميتة والخنزير.
وأما إذا لم يحصل لنا علم بالطرق السالفة جاز لنا الأكل من غير بحث عن ذلك، وكذلك الشأن في الأطعمة المحتوية على شيء من عين الخمر بشتى أصنافه، جاء في العتبية أن مالكًا رحمه الله سئل عن جبن الروم، فقال: ما أحب أن أحرم حلالًا، وأما أن يكرهه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأسًا، وأما أن أحرمه على الناس فلا أدري ما حقيقته، قد قيل: إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير وهم نصارى، وما أحب أن أحرم حلالًا، وأما أن يتقيه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأسًا (?)
قال ابن رشد في شرحه عليها الموسوم بالبيان والتحصيل: كره للرجل في خاصة نفسه من أجل ما قيل له: إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير ولو لم يسمع ذلك لم يكن عليه أن يبحث عن ذلك، لأن الله قد أباح لنا أكل طعامهم بقوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فأكل طعامهم جائز ما لم يوقن فيه بنجاسة، فإن خشي الرجل لشيء سمعه استحب له أن يتركه (?) وحل الطعام الذي لا علاقة له بالذكاة لا يقتصر على الكتابيين فحسب، قال القرطبي: ولا بأس بأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة" (?) أو له كتاب وليس بسماوي كالمجوس.