فإذن الأدلة التي استند عليها الجمهور في عدم جواز الاعتياض عن دين السلم ليست أدلة قوية أو أدلة لها وجاهتها ولها قوتها واعتبارها بينما الإمام مالك – رحمه الله – والإمام أحمد – رحمة الله عليه – استند إلى أدلة في غاية من الوجاهة استدلا – طبعا – بحديث ابن عمر – رضي الله عنهما – في قضية بيعه بالدنانير وأخذه الدراهم في قضية حديث (النقيع أو البقيع) كما ورد في الروايتين، والحديث معروف لحضراتكم واستند إلى قول ابن عباس في مسألة السلم، أجاز ابن عباس، رغم أنه لا يجيز بيع المبيع قبل قبضه- الاعتياض عن السلم لكن قال: إذا كان أقل بقيمته أو أقل من قيمته بسعر يومه.

ولذلك قال ابن القيم وابن تيمية: هذا من فقه الصحابة – رضي الله عنهم – رغم أنه يقول ما سار على قاعدته في منع الشيء قبل قبضه في السلم الاعتياض أجازوه، ابن القيم – في الحقيقة- أطال النفس في هذه المسألة وناقش المانعين مناقشة رائعة ذكرتها في بحثي، ... أنا فعلا أجزت في بيع المسلم فيه وبيع السلم قبل القبض والشروط قلت أولا: أن لا يكون في طعام، ثانيا: أن لا يكون نسيئة بنسيئة ووضعت بعض الضوابط، وقلت: إن هذه المسألة مرتبطة بمسألة بيع المبيع قبل القبض، وبما أن مسألة بيع المبيع قبل القبض رجحت فيه مذهب مالك فهنا أيضا سرت على هذا المذهب. قال شيخ الإسلام بعد ما ذكر مذهب مالك: وهذا أيضا إحدى الروايتين عن أحمد نص عليه في مواضع. يعني إذا الإمام مالك أجاز بيع دين السلم بشروط وضوابط خاصة إذا كان من المستسلف ألا يكون في طعام وأن يكون حالا (أي عند الحلول) من غير المستسلف في غير الطعام جوز مطلقا، هذا رأي مالك ونقلت نصوصه في المدونة وكذلك في بداية المجتهد، وكذلك في حاشية الدسوقي وغير ذلك إذن من هنا بيع السلم بهذه الصورة جائز بهذه الضوابط التي وصلنا إليها.

الاحتمال الثالث: التصرف في المسلم فيه بالتولية والشرك – أو كما يسمونه الشركة – والحطيطة والمصالحة والحوالة والوكالة وهذا ما ذكره فضيلة الأستاذ الدكتور وفعلا هنا أعتقد أن فضيلة الدكتور لم يذكر إلا الحوالة وأنا ذكرتها وقلت: إنه يمكن الاستفادة منها، الوكالة بالإجماع جائزة التولية والشركة في المسلم فيه محل خلاف، ذهب مالك إلى جوازها في الطعام وفي غيره، وذكرت تلك النصوص في بحثي- ما دام ينتقد الثمن، وهو قد استدل بحديث سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شرك أو إقالة أو تولية)) وهذا الحديث بينت أنه صحيح الإسناد وثابت ونهض حجة على هذه الدعوى، إضافة إلى إجماع أهل المدينة قالوا: إن أهل المدينة يتعاملون بذلك الحنفية والحنابلة والشافعية ذهبوا إلى عدم الجواز، ولكن- حقيقة – ناقشت أدلتهم وتبين لي رجحان مذهب مالك في هذه المسألة أما الحوالة فقد فصلها أخي الأستاذ الدكتور علي السالوس وكذلك أنا فصلت فلا حاجة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015