ما جاء في كتاب الأم ذكرته مع تكملة له في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي (سنة 1403 هـ – 1983 م) لأبين للسادة المشاركين أن كلام الإمام الشافعي ينصرف إلى معنى آخر غير المواعدة في الصرف.
وما نقلته من كتاب الأم هو ما يأتي:
" قال الشافعي: إذا تواعد الرجلان الصرف فلا بأس أن يشتري الرجلان – وليس رجلا واحدا – الفضة ثم يقرانها عند أحدهما – أي يضعانها عند أحدهما- حتى يتبايعاها- هما اشتريا ثم هما يتبايعان – ويصنعا بها ما شاءا " قال الشافعي: " ولو اشترى أحدهما الفضة ثم أشرك فيها رجلا آخر وقبضها المشترك ثم أودعها إياه بعد القبض فلا بأس وإن قال: أشركك على أنها في يدي حتى يبيعها لم يجز"
ويتضح مما سبق أن الإمام الشافعي يتحدث عن موضوع القبض إذا اتفق اثنان على الاشتراك في الصرف فاشترى الشريكان معا الفضة، ثم وضعاها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا فهذا جائز، ويجوز أيضا أن يشتريها أحدهما، ثم يشرك فيها رجلا آخر، ويتم قبض المشترك، وبعد القبض يودعه إياها، أما إذا أشرك الآخر وأبقاها في يده حتى يتم بيع الفضة دون أن يقبضها المشترك فإن هذا لا يجوز. فحديث الإمام إذن عن قبض الشريكين، وهما طرف واحد في عقد الصرف، وليسا طرفين.
فكلمة " تواعد الرجلان الصرف " تعني أنهما تواعدا على الاشتراك في الشراء ولذلك قال بعد هذا: " فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة.." والخلاف الذي نراه في المواعدة على الصرف بين الأئمة الأربعة هو إذا اتفق المتواعدان على الصرف ولم تكن النقود حاضرة، ثم أحضرا النقود وهما في مجلس العقد لم ينصرفا، وتم التقابض في المجلس نفسه قبل أن يتفرقا. فالإمام لا يجيز هذه المواعدة خلافا للأئمة الثلاثة. أما إذا تفرق المتواعدان من غير قبض كل من العوضين فالعقد باطل عند الأربعة جميعه وقد نقلت ما يثبت هذا في بحثي ولا حاجة لقراءته.
مما سبق – النقول التي ذكرتها – نرى أن الإمام الشافعي مع الجمهور خلافا لمالك في جواز المواعدة على الصرف يشترط أن يتم التقابض في المجلس قبل الافتراق، أما إذا كانت المواعدة بغير تقابض في المجلس فقد أجمع الأئمة الأربعة على المنع وعدم الجواز وخالف ابن حزم الأئمة الأربعة حيث قال في المحلى:" التواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض، جائزة، تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا، وكذلك المساومة أيضا جائزة - تبايعا أولم يتبايعا – لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه " وهذه المخالفة مبنية على رأيه في الوعد والعقود فإذا ذكرنا رأي ابن حزم يجب أن نعرف رأيه في الوعد وفي العقود، وألا يذكر هذا منفصلا عن رأيه في الوعد والعقود. ففي آخر النذور من المحلى عقد مبحثا عنوانه " الوعد" وقال: " ومن وعد آخر بأن مالا معينا أو غير معين أو بأن يعينه في عمل ما – حلف له (حتى لو حلف) على ذلك أم لم يحلف – لم يلزمه الوفاء به، ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله ذلك في نفقة أو لم يدخله".