وحتى لا يكون الوعد لغوا لا أثر له، وحتى لا يكون أيضا كالبيع نفسه فنقع في مخالفة شرعية، حتى لا يكون ما لا نريده في السوق الإسلامية، نطبق قرار المجمع الموقر في دورته الخامسة بشأن الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء حيث نص القرار على ما يأتي:

الوعد: (وهو الذي يصدر عن الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزما للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد ويتحدد أثر الالتزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلا بسبب عدم الوفاء بلا عذر.

والمواعدة: (وهي التي تصدر عن الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو إحداهما فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز، ولكن فضيلة الدكتور علي القره داغي ذكر أنها جائزة وناقش هذا الموضوع ولكن أنا لم أناقشه. لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

انتقلت بعد ذلك إلى المواعدة في الصرف، ولا خلاف بين الباحثين في عدم جواز المواعدة في الصرف إذا كانت المواعدة ملزمة، أما المواعدة غير الملزمة فبينت هنا أيضا عدم جوازها، ولكن فضيلة الدكتور علي القره داغي ذكر جوازها بشرط عدم الإلزام (أن تكون بسعر يوم البيع وليس بسعر يوم الاتفاق) . ويبدو أنها قد تكون مقبولة لأنه لا شيء فيها لأنها ما دام أنها وعد وغير ملزم وفي الوقت نفسه بسعر يوم البيع وليس بسعر يوم الاتفاق، هذا الحل يمكن أن يقبل.

الصرف: وهو بيع الأثمان بعضها ببعض، له أحكام المعروفة، وتنطبق شروط صحته على بيع العملات بعضها ببعض، وهذا أمر قد استقر بحمد الله تعالى، وصدرت فيه قرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات المتعددة التي شارك فيها عدد كبير من فقهاء العصر ورجال الاقتصاد. ووجوب القبض في المجلس لا خلاف حوله، ولكن يجب أن نتذكر صور القبض في عصرنا كما أقرها المجمع الموقر في دوراته السابقة. وإذا جاز الوعد في البيع بصفة عامة، أفيجوز المواعدة في الصرف بصفة خاصة؟

انتهى بعض الباحثين إلى جواز هذه المواعدة بشرط أن يكون الوعد غير ملزم أخذا برأي أهل الظاهر خلافا للجمهور. ورأى آخرون جواز المواعدة دون اشتراط عدم الإلزام – أي جواز المواعدة مع عدم الإلزام – واحتجوا بقول نسبوه للإمام الشافعي – رضي الله عنه – أورده في كتاب الأم وبرأي أهل الظاهر. ولعل الفريقين معا جانبهما التوفيق والصواب، وإن كان الأول أقل خطأ من الآخر غير أن مثل هذا الوعد لا وزن له في معاملات العصر وعلى الأخص في التغير الكبير الذي يطرأ من وقت لآخر على أسعار الصرف مما قد يترتب عليه خسارة مبالغ طائلة هائلة. وننظر في أدلة الفريق الثاني، حيث تتضمن دليل الفريق الأول وزيادة وبدأت أناقش هنا الذين قالوا بجواز الوعد مع الإلزام هذا الفريق نسب هذا الفريق للإمام الشافعي أنه قال في كتاب الأم: إذا تواعد الرجلان الصرف فلا بأس أن يشتري الفضة ثم يقر أنها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا " هذا ما جاء بالنص في كلام الذين أجازوا المواعدة مع الإلزام، وللأسف الشديد أن هذا طبق فعلا في بعض البنوك الإسلامية نتيجة هذه الفتوى. هذه العبارة فيها حذف وتحريف وتحتاج إلى تكملة المعني، أما الحذف فهو فاعل يشتري، وهو كلمة الرجلان (أن يشتري الرجلان الفضة) فالشراء ليس من أحدهما بل اشترك فيه الاثنان معا. وأما التحريف ففي كلمة " يقر أنها " أي يعترف بها، والصواب " يقرانها " بألف الاثنين، أي أن الرجلين يودعان الفضة عند أحدهما.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015