انتقلت بعد هذا إلى المبحث الثاني، وهو البيع الآجل، ولكن فضيلة الدكتور علي انتقل إلى الاستصناع مباشرة، وإنما أشار إلى البيع بصفة عامة ولكني وقفت عند البيع الآجل لأسباب، فالبيع الآجل بضوابطه الشرعية له دور كبير في السوق الإسلامية حيث يستفيد البائع من زيادة الثمن فيكون وسيلة مشروعة لاستثمار المال بديلا كالقرض الربوى.
وإذا احتاج البائع إلى الثمن قبل حلول الأجل فقد يجد المخرج في بيع السلم ولكن إذا توقع من البداية عندما يدرس ظروف استثمار المال أنه سيحتاج إلى الثمن - كله أو بعضه – قبل حلول الأجل، فإن الأفضل في هذه الحالة أن يلجأ إلى البيع الآجل أو على الأقل لا يستثمر إلا جزءا قليلا ولعل الأفضل في هذه الحالة الاستثمار في صكوك المقارضة، حيث يستفيد من أرباحها ويبيعها متى أراد.
وأحب أن أذكر هنا طريقة عملية تعتمد على البيع الآجل اقترحتها على المصرف الإسلامي لتكون بديلا للصرف غير الجائز فالمصرف قد يكون في حاجة إلى عملة معينة بعد فترة زمنية ويخشى المخاطر فربما يرتفع سعر صرفها حينئذ، ولذلك يريدها بسعر اليوم، وعلى العكس من ذلك قد يكون من حقه عملة معينة بعد مدة، وهو لا يحتفظ بمثل هذه العملة وإنما يستبدلها بأخرى ويخشى أيضا مخاطر تغير سعر الصرف. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع أن يتعاقد على صرف آجل وهذا سأبينه بعد هذا.
وللتوضيح أذكر المثال الآتي:
مصرف قطر الإسلامي يتعامل بالريال القطري أساسا، فهو العملة المحلية وسعر صرف الريال ثابت بالنسبة للدولار الأمريكي فقط، ولذلك فهو لا يحتفظ بمبالغ كبيرة إلا بهاتين العملتين وفي العمليات التي يقوم بها وما يترتب عليها من ديون له أو عليه أو مشروعات تحتاج مستقبلا إلى القدر من النقود، أو تأتي بعائد إذا كان ما يأتيه مستقبلا، أو ما يلتزم به سيكون بغير الريال والدولار، فماذا يفعل؟. فمثلا المطلوب منه بعد ثلاثة أشهر خمسه ملايين مارك، أو سيوضع في حسابه بعد سنة مليون جنيه، ويريد شراء الماركات وبيع الجنيهات بسعر صرف اليوم صرف اليوم مع الدولار.
في الحالة الأولى: المصرف يستثمر جزءًا من الأموال في البيوع الآجلة، وهي في البيوع المحلية بالريال، وفي الخارجية بالدولار. وفي هذه الحالة يجعل بعض صفات بيوعه الآجلة بالمارك في حدود خمسه ملايين، أي أنه يبيع بيعا آجلا، بدلا من أن يبيع بالدولار يبيع بالمارك ويكون الآجل أقل من ثلاثة اشهر ولو بيوم واحد، حيث أنه قبل الثلاثة أشهر يأخذ خمسه ملايين مارك أو أكثر قليلا أو أقل قليلا، فلا يتعرض لخطر الصرف متى جاء هذا المبلغ استطاع أن يدفعه وبذلك يتسلم الثمن قبيل موعد التزامه، حيث يقوم بالتسليم بعد ذلك دون حاجة إلى شراء المارك وبهذا لا يتعرض لمخاطر الصرف بالنسبة للدولار والمارك.