والجدير بالذكر أن الغزالي يلجأ إلى استخدام تعبير " أصول الأدلة " (?) بين حين وآخر فهذا تعبير جيد من ناحية تحديد الشمول لمفهوم الدليل وإخراجه عددًا كبيرًا من الأدلة المستخدمة في الفقه سواء كانت مناهج للاستنباط أو مبادئ حقوقية من مضمونه وكذلك تعبير أصول الأدلة يعبر عن المصادر التي تشكل أصول تلك الأدلة وقبل تناول أصول الأدلة على حدة يشير الغزالي إلى أن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى إذا اعتبرنا السبب الملزم للأحكام، وأما إذا اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم (?) .
أما القياس فهو دليل يعترف الغزالي بحجيته ويدافع عنه دفاعًا حارًّا، ولكنه لا يذكره في نظرية المصادر، لأنه يراه منهجًا من مناهج استنباط الأحكام فيحله بين طرق استثمار الأحكام ومما يلفت النظر أن الغزالي قد انتبه إلى الفرق بين تفسير النصوص وبين القياس، وتناول القياس تحت عنوان مستقل غير العنوانين المتعلقين بتفسير النصوص.
فهذا كله يتعلق بمفهوم المصادر الشكلية في الفقه الإسلامي بالنسبة إلى من يتمتع بأهلية الاجتهاد وبعبارة أخرى فإنه إذا سُئِلَ " في أي مصدر يبحث المجتهد عن حل للقضية المعروضة عليه؟ " فالجواب هو ما ذكرناه آنفا من القرآن والسنة والإجماع، أما بالنسبة لمن أتى بعد أدوار الاجتهاد سواء كان قاضيا أو مفتيًا فالمصادر الشكلية له هي من حيث المبدأ اجتهادات المذهب (doctrine) (?) ، والقوانين التي أصدرتها الدولة في بعض المجالات.
6-1-2- تحليل لعدم تناول الأصوليين للعرف بين المصادر في مقابل الأهمية التي حظي بها العرف في فروع الفقه:
ومن المعلوم أنه لم يصل إلينا من أئمة المذاهب – ما عدا الإمام الشافعي رحمه الله - (?) بيان بتأليف خاص للأصول والمناهج التي سلكوها في استنباط الأحكام، وأنها دونت بعدهم بطريقة استقراء الأحكام الفرعية في مذاهبهم والاستناد إلى بعض الروايات عنهم حول هذه الأصول والمناهج.