ولم ينقل إلينا من أئمة المذاهب ما يعبر نظريًّا عن موقفهم إزاء العرف سوى بعض العبارات المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – مما تشير إلى مراعاته بتعامل أهل بلده في استنباط الأحكام وكذلك بعض التعليقات حول عبارات الإمام مالك – رحمه الله – فيما يتعلق " بعمل أهل المدينة " (?) .
ومع هذا يكاد يتفق المؤلفون على أن دراسة الأحكام التي توصل إليها أئمة المذاهب تبرهن على أنهم ليسوا بعيدين عن مراعاة العرف، بل وقفوا موقفا إيجابيًّا إزاءه ما لم يصطدم مع النصوص ومبادئ التشريع الإسلامي (?) .
إلا أن موقفهم هذا لم يتبلور في كتب الأصول، بل برز في كتب الفروع فقط، وذلك حمل الباحث على القول بأن هناك ثنائية في أدب الفقه الإسلامي من جهة تناول الفقهاء للعرف كما بينا في الباب الأول، وقد أشرنا هناك أن قصدنا منها ليس الثنائية الملحوظة من ناحية الفقه النظري والتطبيقات القانونية في تاريخ التشريع للمسلمين (?)
لا يمكن اعتبار عدم اهتمام الأصوليين بمفهوم العرف بالسلب أو الإيجاب أثناء دراستهم للأدلة الشرعية من قبيل الصدفة (?) ، إذا وضعنا نصب أعيننا أنهم جعلوا بعض المفاهيم الأخرى موضوع تحاليل دقيقة ومناقشات واسعة مثل القياس والاستحسان ويجب الانتباه أيضًا في هذا المضمار أن الفقهاء – بغض النظر عن كتب القواعد للعلماء المتأخرين– حين استدلالهم على حجية العرف ببعض الأدلة مثل حديث: ((ما رآه المسلمون حسنًا ... )) ، لا يتناولون العرف كدليل أصولي أي مصدر من مصادر التشريع وإنما يستندون إلى تلك الأدلة بمناسبة توضيح بعض الأحكام الفرعية (والتنبيه إلى هذه الناحية بصفة خاصة لا يخلو من فائدة نظرًا لعدم إشارة الباحثين المعاصرين إليها أثناء ذكرهم أدلة حجية العرف) .