ليس عجباً أن تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة، لأنها مستمدة من التراث الإسلامي ذي الإتجاهات العلمية المتشبعة والفروع العديدة من المعارف المختلفة فتراثنا الإسلامي تراث مجيد نهضت به الأمة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرناً وكانت في طليعة العالم إن لم تكن أرقى أمم الأرض طراً، كما قامت بهذا التراث الإسلامي نهضة المجتمعات الأوروبية حين انتقل هذا التراث إليها عن طريق بلاد الأندلس، وعن طريق الحروب الصليبية، وعلى يد عدد من اليهود الأسبان، وكثير من عرب صقلية وأفريقية.
ولقد بلغت عظمة التراث الإسلامي وقوته أن كان بالأندلس وحدها – زمن قوة المسلمين – أكثر من سبعين مكتبة عامة كما بلغ تعداد ما في مكتبة الأمراء في الأندلس فقط 600 ألف مجلد وهذا في زمن لم تكن فيه المطابع التي نعرفها اليوم وإنما كان ما كتب بخط اليد كله، الأمر الذي يدل على أن الثقافة في ظلال دعوة الإسلام لم تكن مقصورة على الطبقات العليا، وإنما هي أمر مشاع بين الناس كافة (1) .
إن تراثنا الإسلامي تراث تليد حقاً، لأنه يجمع مع الرقي الكمي والكيفي فضل السبق على الحضارة المادية المعاصرة في شتى أوجه المعرفة ومختلف فروع العلوم.
ففي فرع البصريات المتعلق بعلم الطبيعة أو الفيزياء: نجد أن الحسن بن الهيثم هو أول من وضع علم البصريات منذ حوالي ألف سنة وكان لهذا العلم الأثر العظيم في الحياة المعاصرة، إذ انه يبحث في سقوط الأشعة والضوء على الأجسام الثقيلة وبهذا العلم اتصلت نظريات الضوء وانفتح الباب أمام مخترعات كثيرة واستحق ابن الهيثم به أعظم التقدير من علماء أوروبا فقد قال عنه (فباردو) : (إن الهيثم هو العربي الذي تعلم منه رجالنا) (2) .