وقيل: المعنى ((اخضعوا لله تعالى وخُرُّوا له سجدا)) (1) وهذا القول لا يعوّل عليه، لأن فيه تفريقا بين معنيي الركوع والسجود بلا مستند، وفيه تكرار لقوله تعالى بعده: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} ، الذي معناه: ((وذلوا لربكم واخضعوا له بالطاعة)) (2) .
ولعلّ الداعي إلى هذا القول الضعيف التأكيد على كون هذه الآية من مواضع سجدات التلاوة، حيث اختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي (ت204هـ) وأحمد (ت241هـ) وآخرون إلى عدها من السجدات، وهذا يتمشى مع من قال أن الركوع والسجود على حقيقتهما الشرعية (3) ، وذهب أبو حنيفة (ت150هـ) ومالك (ت179هـ) إلى عدم عدها، وهذا يتمشى مع من حمل الآية على الصلاة حيث جمع فيها بين الركوع والسجود (4) ، والراجح عدّها ضمن سجدات التلاوة، لما رواه أحمد (ت241هـ) في مسنده عن عقبة بن عامر (ت58هـ) رضي الله عنه أنه قال: قلت يارسول الله: أَفُضِّلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: ((نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (5) .
قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} . (الفتح/29) : تضمنت هذه الآية وصفا لجميع الصحابة رضي الله عنهم (6) ومعنى قوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} : أي ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم)) (7) ، فهما على معناهما الشرعي، ومن العلماء من فسرهما معا بالصلاة (8) ، فيتمحض الفعلان للصلاة، والمؤدى واحد، لأن الركوع والسجود لا يكونان إلا في صلاة، وهما أبين هيئات المصلي، والتعبير بالمضارع في {تَرَاهُمْ} يدل على استمرارهم على ذلك وكثرته منهم رضي الله عنهم (9) .