والركوع والسجود في الآية على معناهما الشرعي (1) ، أي الراكعون في صلاتهم، الساجدون فيها (2) ، إذ لا تخلو الصلوات المفروضات من الركوع والسجود (3) ، ولذلك فسرهما بعضهم بالصلاة المفروضة (4) ، قال ابن عطية (ت341هـ) : ((ولكن لا يختلف في أن من يكثر من النوافل هو أدخل في الاسم وأغرق في الاتصاف)) (5) .
فتحصّل من ذلك أن في معنى الركوع والسجود في الآية ثلاث معان، وهي:
معناهما الشرعي.
الصلوات المفروضة.
الصلوات المفروضة والنوافل.
وجميعها معان متقاربة، وإنما خص الركوع والسجود من بين أفعال الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة عداهما فبهما يتبين الفضل بين المصلي وغيره (6) ، ((وهذا الوصف يفيد التذكير بهذه الهيئة وتمثيلها للقارئ والسامع)) (7) لمكانتهما البالغتين في الصلاة حيث يكمن فيهما الخشوع والتذلل لله رب العالمين.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} (الحج/77) :
الظاهر أن المراد بالركوع والسجود على الحقيقة الشرعية، أي اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله وحده (8) ، قال الفراء (ت207هـ) : ((وقوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} : كان الناس يسجدون بلا ركوع، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع قبل السجود)) (9) .
ومن العلماء من قال: إن معناهما صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، والمراد أن مجموعهما كذلك (10) ، وهو لا يختلف عن المعنى السابق.
قال البقاعي (ت885هـ) : ((وخُصّ هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما لأنهما _ لمخالفتهما الهيئات المعتادة _ هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما عنها جدا في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح _ لما غلب عليه من العتو _ بعض الهيئات الدالة على ذلك)) (11) ، وسيأتي ذكر بعض هؤلاء المعاندين في المبحث الثاني.