لقد حظيت المدينة النبوية باهتمام المؤسس الموحد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - منذ استلامها من الأشراف (يوم السبت التاسع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1344هـ) ، وقد نبع هذا الاهتمام من المكانة الدينية والعلمية الرفيعة التي تحظى بها المدينة عند المسلمين على مرّ العصور والأزمان، فهي دار الهجرة وعاصمة الإسلام الأولى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد خلفائه الراشدين، وهي الجامعة الأولى التي تعلم بها الصحابة رضي الله عنهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت العقيدة الصحيحة أصل العلم والتعليم في هذه البلاد، فقد عمل – يرحمه الله - مع أهل المدينة على إزالة البدع والخرافات التي كانت بها، حيث أصدر علماؤها ومنهم مفتو المذاهب الأربعة ـ أثناء زيارته الأولى لها سنة 1345هـ ـ فتوى لهدم القباب المقامة على الأضرحة، وهدم القبور العالية، وأصدروا فتوى حول آداب زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم تلغي البدع التي سادت من قبل، وتقرر آداب الزيارة وفق منهج السنة النبوية، وقد وقع في الفتاوى كل من الشيخ إبراهيم البري عن الحنفية، والشيخ زكي برزنجي عن الشافعية، والشيخ حميدة بن الطيب عن الحنبلية، والشيخ محمد صادق العقبي عن المالكية.
إن لهذا العمل سمة تربوية وتعليمية تحكي مقدار اهتمام الملك عبد العزيز – يرحمه الله – بأسس التربية والتعليم، ويبرز حقيقة مهمة وهي أن المنطلق الحقيقي لكل إصلاح وتقدم في هذه البلاد يعتمد أساساً على نشر العلم الشرعي على أسس إسلامية متينة، والقضاء على الجهل والأمية قضاء مبرماً، ومن هذا المنطلق جاءت السياسة التعليمية محققة للآمال والطموحات التي أرادها - يرحمه الله - لشعبه.