ورأى ما ترتب على هذا الجهل من تعصب وتقليد أعمى لمذهب بعينه في ما ارتآه صاحب المذهب وإن ضعف دليله، ومناوأة ما يعارضه وإن قوي دليله. فتركوا التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذهبت قدسية الحق وحُجب نوره، وتطور الأمر إلى الصراع بين أتباع المذاهب وأدى هذا إلى النيل من الأئمة مع أنهم معذورون، وتفرقت الأمة شيعاً، وانتهى بها إلى تعصب مقيت لم يعرفه سلفنا الصالح ولا الأئمة المجتهدون أنفسهم. ولذلك أمر ـ يرحمه الله ـ رجال التعليم في هذه البلاد أن يهتموا بتدريس الفقه المقارن دراسة تغوص وراء أدلة الفقهاء حتى يتبين الرأي الراجح بالدليل ليمكن الأخذ به، وقطع الجدل من حوله. مع التركيز على فقه الإمام أحمد، (لأنه يُعنى بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره من الأئمة) .
وقد ظهر هذا التوجه الصحيح للملك عبد العزيز - يرحمه الله - من خلال رده على طلب عبد الظاهر أبو السمح تأسيس مدرسة دار الحديث المكية سنة 1352هـ حيث جاء فيه قوله (… فإذا كان المدرسة التي تريدون فتحها أنه يُعَلَّم فيها الحديث والفقه وبالأخص فقه الإمام أحمد وعدم الإعابة على أحد من الأئمة فهذا نحن ممنونين فيه ونوافق عليه، فإن كان تخشى أن يصير اعتراض أو كلام يشوش الأمة كلها فهذا لا فائدة فيه، فأنت يجب عليك أن تتراجع مع الشيخ عبد الله بن حسن في ذلك وتنظرون في الأصلح وتقررون قراراً اعتمد عليه، فبهذا تفتح المدرسة ونحن نساعد في كل شيء، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في الأقوال والأفعال، هذا ما يلزم بيانه، والله يحفظكم، والسلام. في 1 صفر1352هـ) .