وأما عرض المحاسن، وخاصة في قصيدة كعب بن زهير، فلا يعدو أن يكون الوصف الخارجي تعدادًا لصفات الجمال الجسدية المطلوبة، فالشاعر يعبر عن الذوق العام في جمال المرأة، ومتى تناءى الحديث عن الخصوص إلى العموم، وصادف ذوقاً أو رأياً مشتركاً، لم يكن غير مداعبة مشاعر فطرية، غير هادف لإثارة ولا إغواء، فهو لا يوجّه اتهاما فاحشًا إلى الشاعر إذ لا يسلط الأضواء على امرأة مخصوصة.

ولاشك أن ثمة شعراء فُتَّاكاً كامرئ القيس والأعشى، يُصرّحون بالكثير من المغامرات العملية والوقائع، وهذا خارج عن غرضنا إذ لا يرد غزلهم في مقدمة لقصيدة المدح، وهو غالباً في أثناء قصيدة يصف فيها الشاعر أحواله في فراغه ساعياً وراء أوطاره كمعلقة امرئ القيس، كما أن قصيدة متخصصة في هذا الغرض - مثل رائية عمر بن ربيعة -[47] لا تدخل في نطاق المقارنة.

ومن ثم نخلص إلى خصيصة هي أن بشار بن برد في قصيدة المدح يترسم إطار القصيدة التقليدية محافظاً على رسم متعارف عليه بين النقاد وأهل البصر بالشعر والممدوحين أنفسهم. فالمدح قصيدة عليها طابع الوقار السياسي والاجتماعي - من جهة المعاني - والوقار الأدبي - من جهة الخطة والبناء - وقد التزم بشار، كما سوف يلتزم كثير من معاصريه ولاحقيه الإطار العمودي شكلاً خارجاً وتصميما، ولكنه أحدث تبديلا جذريا في المضمون، فلا أطلال ولا غزل مادياً، ولكن قصة حب ذات ظاهر تحقيقي، لا تشى بتجربة ولا معاناة، وهي إلى السذاجة أقرب منها إلى التحليل المعمَّق.

ب وصف الرحلة:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015