ههنا رصيد إنساني نابع من استكناه الحياة والوجود وعَرِضيّة الأحداث وزواليّه الإنسان، وعلى ما جرت عليه هذه المقدمات من تقليدٍ دهرا طويلاً فما هي بمعارض من ألفاظ وصور، وما هي بخاوية من حسٍ إنساني رصيده الحنين والأسرة الغافي.
وقد يكون مقارنة المقدمة الغزلية في قصيدة بشار بمقدمات النسيب والغزل أولى: هذا حق، وعندها ألا يقال لنا: أليست المفاتن الجسدية التي أبرزها الشعراء في مقدماتهم حتى على مسامع الرسول في مسجده ينبغي أن يوجه إليها شجب قاسٍ على حين لم يستثر بشار بتعداد المفاتن شهواتنا؟
لو استفتينا أولا نسيب علقمة الفحل، وهو جاهلي قديم، وأوله:
بعيد الشباب عصر حان مشيب [46]
طحا بك قلب في الحسان طروب
لوجدنا فيه إطراء لخلال المرأة ذات المنعة والعفاف، للزوجة الحافظة بالغيب لما ينبغي أن يحفظ:
على بابها من أن تزار رقيب
منعمة ما يستطاع كلامها
وترضى غياب البعل حتى يؤوب
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره
وهذه الخلقية الشامخة مفقودة في غزل بشار بل هي محطمة تحطيماً عن عمدٍ، كما يبدو من أدنى مقارنة، فإذا شفع علقمة نسيبه بما تحصل لديه من رأي في النساء لم نجد، ولو عممنا النظرة، إلا خبرة مستفادة من واقع العلائق، فإن الميول الفطرية من إيثار النساء لحداثة السن وسعة الحال، لا تثريب عليها، وكل ما في الأمر تحذير للشيوخ أن يطمعوا في مودة صادقة عند الفتيات.
وبمثل هذا الغزل لا يجاوز الشاعر إطراء المرأة الفاضلة ومراعاة التكافؤ ما بين المرأة والرجل سنا، وما يتوجب عليه من كفاية مادية. فالغزل أو النسيب يتردد بين المطالب الثابتة للمرأة والمؤهلات المرغوبة في الرجل، ولاشك أن هذا المضمون لا يخسر واقعيته أبداً.