بل ولو كان العدو أضعاف أضعافهم كما هو ظاهر كلامهم، وقوله: "ولم يبلغوا اثني عشر ألفا"، هذا القيد ذكره ابن رشد ونسبه لأكثر أهل المعلم. نقله أبو الحسن وسلمه. وكذا نقله ابن عرفة وابن غازي في تكميله وأقراه، وذلك يدل على اعتماده وإن أنكره سحنون ونسبه للعراقيين، ويؤيده الحديث: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة (?)). أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وفي بعض التقاييد أن محل حرمة الفرار إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدو، فإن لم يكن فيهم ذلك وظن المسلمون أن الكفار يقتلونهم جاز الفرار. واعلم أن الفرار المحرم من الكبائر ولا تجوز شهادة صاحبه إلا أن يتوب. ابن عرفة: تظهر توبته في زحف آخر.

هذا وفي الحطاب عن السهيلي ما نصه: إن قيل كيف فر الصحابة يوم حنين وهو من الكبائر؟ قلنا لم يجمع على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر، وكذلك قال الحسن ونافع مولى ابن عمر، ويدل له قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ}، فيومئذ إشارة ليوم بدر، ثم نزل التخفيف في الفارين يوم حنين، فقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} الآية: وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر، وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فإنهم رجعوا وقاتلوا حتى فتح الله تعالى عليهم. انتهى. وفيه: -أي الحطاب- عن القرطبي ما نصه: قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى.

إلا تحرفا؛ يعني أنه يحرم على المسلم أن يولي العدو دبره إلا أن يكون متحرفا لقتال؛ بأن يظهر من نفسه الهزيمة وليس ذلك قصده ليتبعه العدو فيرجع عليه المسلم فيقتله، وهو من مكائد الحرب، ويجوز التحرف للقتال ولو كان الكفار أقل من الضعف. أو تحيزا؛ يعني أنه يجوز للمسلم تولية العدو الدبر إذا كان متحيزا إلى فئة من المسلمين أو إلى أمير الجيش فيتقوى بهم، ويشترط في جوازهما أن يفعلهما غير أمير الجيش والإمام، وأما هما فليس لهما فعل التحرف

طور بواسطة نورين ميديا © 2015