الملك الظاهر وقف بدمشق مدرسةً وأسند أمرها إليه، وكذلك /177 أ/ المدرسة التي أنشأها بظاهر حلب، وحضر درسه يوم درَّس فيها. ثم استناب فيها نائبًا، وبقي يدرس في مدرسته التي أنشأها هو أول يوم درس فيها حضر الملك الظاهر واحتفل غاية الإحتفال من الاطعمة والأشربة والحلاوات وغيرها، ونثر عليه الذهب وأقام عنده من بكرة إلى قريب العصر. وخلع على جميع خواّصه وامتدحه الشعراء، وأظهر من السرور به ما لم يسمع عن غيره من الملوك في حق أتباعهم ولم يزل حاله معه كذلك في الإكرام والاحترام إلى أن مات الظاهر، وتولى ولده الملك العزيز وهو طفل وقام بأمره ظغرل بن عبد الله فاعتمد في جميع الأمور على القاضي، وركن إليه غاية الركون. ولم يكن يستثقل بشيء من الأمور دون مشاورته فيه.
وترقى عن مرتبة القضاء إلى مرتبة الوزارة، وخوطب بالصاحب. ثم بنى داراً للحديث النبوي، وصار يسمع فيها الحديث؛ ولما بنى السلطان الملك الظاهر مدرسته التي دفن فيها كان هو أول من درس/ 177 ب/ فيها.
ثم استناب فيها وفي دار الحديث من يقوم بوظائفها، وانقطع عن التدريس والتردد إلى دار الحديث للإسماع لاستيلاء ضعف الكبر عليه. ولم يزل كذلك إلى أن توفي بحب، ودفن بعد العصر بتربته التي أنشأها بباطن حلب بين مدرسته ودار الحديث مقابل داره التي أوقفها رباطاً على الصوفية – رحمه الله تعالى – هذا آخر كلامه.
وصنّف كتبًا منها: كتاب "سيرة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب – رضي الله عنه"، وكتاب "الأخفياء من الأولياء"، وكتاب "الموجز الباهر للملك الظاهر" في الفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه -، وكتاب "دلائل الأحكام في أحاديث الرسول عليه السلام"، وكتاب "التحفة العزيزية" صنعه للملك العزيز محمد بن غازي بن يوسف رحمه الله تعالى يتضمن آداب الصوم والصلاة، وآداب السلطان وغير ذلك. وكان ينظم القطع من الشعر.
أنشدني الشيخ الأجل المعدَّل بهاء الدين أبو محمد الحسن /178 أ/ بن إبراهيم بن سعيد بن يحي بن الخشاب الحلبي بها ِّ رضي الله عنه ِّ قال أنشدني قاضي القضاة بحلب أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم لنفسه: [من الطويل]