وبين النهرين.
وهو مع اشتغاله بخدمة السلطان، محافظ على أداء الصلوات، متجنّب للحرام والشبهات، خدم متجنِّدًا بقلعة تكريت من زمن معين الدين ارنقش لحاجته إلى طلب الرزق.
وحضر عند القاضي تاج الدين ابن زكريا، بتكريت كثيرًا، وسمع ما يذكره، وما يقرأ عليه من العلوم، وقرأ عليه جميع كتاب ((العقود اللمع)) لابن جني.
/ 223 ب/ وكان له ميل إلى فن الأدب والنظم، وعنده معرفة حسنة في منازل الشمس والقمر ومسيرهما، ومعرفة الأنواء، وقد صحبته عدّة مرار في تردداته إلى مدينة السلام. وسألته حين كثرت معه صحبته، وصحت له إرادته، أن يلبسه خرقة التصوف، ليتسم بسمة التلاميذ والأصحاب، ويتمسك منه بأجمل الوسائل، وأحسن الأسباب، فالبسه الخرقة.
وكان ينتمي في لباس الفتوة إلى الشيخ شهاب الدين يوسف القصاب، وهو من جملة رفقائه وأصحابه، وله معرفة بجماعة من صدور مدينة السلام، حسن التوصل إليهم، فيما يحتاج إليهم فيه من أشغالي وأشغال رفقائه وجماعته.
ولما أقام القاضي تاج الدين أبو زكريا بالمدرسة النظامية، مدرسًا لها، كتب إليه الرئيس أبو البدر، كتاب استيحاش، وضمنه أبياتًا من نظمه وهي: [من السريع]
يا سادتي من ذا الَّذي قد رمى ... بالعين أصمانا بسهم لخطوب
كنتم مصابيحًا بها نهتدي ... في الدِّين والدُّنيا ونور القلوب
واليوم مذ فارقتمونا نرى ... قد بان في تلك القلوب الغيوب
/ 224 أ/ أنتم رضيتم غيرنا خبرةً ... نحن لمن يرضى بكم في الشُّعوب
شوقي إلى الزَّوراء ما ينحصي ... ولو تعاناه حساب الضُّروب
إذا تذَّكرت زمانًا مضى ... قلت لعلَّ الدَّهر يومًا يؤوب
وحقَّكم ما مرَّ بي طيفكم ... في اللَّيل أو هبَّت رياح الجنوب
إلَّا وفاضت مقلتي أدمعًا ... شوقًا إليكم وفؤادي يذوب
يا سادتي بالله لا تقطعوا ... أخباركم عنِّي فعندي كروب