لقد تربّع على عرش النحت الإيطالي في عصره، ولم يبزّه في أوربا إلاّ هودون Houdon (1741 - 1828) الذي حظي في هذه الفترة بالتوقير، وكان من رأى بايرون الذي كان أكثر ألفة في إيطاليا منه في فرنسا أن أوروبا والعالم ليس فيها إلاّ كانوفا واحد وأنه - أي كانوفا - يضارع نحّاتي العصور الكلاسيكية القديمة وربما كان أحد أسباب الاحتفاء به هو موجة الكلاسيكيّة الجديدة التي جعلته - كما جعلت ديفيد (ساعد نابليون كليهما) يتبوأ مقعد الريادة في فنّه· لكن أوروبا لم تكن لترضى لفترة طويلة بتقليد (أو نسخ) الأعمال الفنية القديمة أو بتعبير آخر لم تكن لترضى - لفترة طويلة - بتقليد الآثار، لذا فسرعان ما أخضعت الحركة الرومانسية الخط والشكل للون والمشاعر وهكذا زوت شهرة كانوفا·
ولا يبعد عن سياق حديثنا أن نذكر أن كانوفا كان رجلا طيبا معروفا بتواضعه وتقواه وحبه للإحسان كما كان قادراً على تقدير منافسيه وعدم بخسهم حقهم، وكان يعمل بجد، وعانى من جو روما المسبب للملاريا malarial air ومن نحت الأعمال الضخمة، فغادر روما في صيف سنة 1821 طالبا هواء أنقى وحياة أهدأ في مسقط رأسه بوسّاجنو Possagno ( بوسّانو) وفيها مات في 13 أكتوبر 1822 وهو في الرابعة والستين من عمره فبكاه كل المثقفين في إيطاليا·
ما هي المحصلة الجبرية (نسبة إلى علم الجبر) الكلية لما أحدثته فرنسا من خير وشر في إيطاليا في هذا العصر؟ لقد قدمت فرنسا لأمّة تتمرّغ في الكسل بسبب حكم الأجانب لها، صيحة صاخبة ونموذجاً لأمة حقّقت حريتها بإرادتها وأفعالها وهي تكاد تميَّزُ من الغيظ· لقد قدّمت فرنسا لإيطاليا روحاً جديدة مفعمة بالتحدي فيما يتعلق بعلاقة المواطنين بالدولة· لقد قدّمت فرنسا لإيطاليا مجموعة المدوّنة النابليونية· لقد كانت صارمة لكنها كانت بنّاءة ومحدّدة وواضحة ضبطت الأمور وأشاعت النظام ومهدت الطريق للوحدة والمساواة أمام القانون في شعب طالما قسّمته الطبقية والنفور من الامتثال للقانون·