قصه الحضاره (صفحة 15515)

وربما فتحت له آلامه وما يتناوله من عقاقير آفاقا جديدة وأتاحت له صورا ذهنية ومدركات حسية وخيالات غير متاحة للعقل العادي، رغم أنها - أي هذه الأمراض وتلك العقاقير - كانت تشوش على أفكاره وتضعف إرادته· على أية حال فقد كان محصوله المعرفي لا يبارى في جيله، فهو في هذا يفوق وردزورث بمراحل، فلم يكن وردزورث يستطيع أن يتحدث في غير قصائده، بينما كان الحوار مع كولردج - حتى في فترة تدهوره - يشمل موضوعات كثيرة ويتسم بالحيوية كونه شائقا حتى إنه ترك بصماته على كارليل Carlyle، وربما كان قادرا حتى على إلزام مدام دي ستيل de Stael الصمت·

وما جعله مبهورا بوردزورث هو أن هذا الأخير كان شديد التركيز لتحقيق هدفه، بالإضافة إلى قوة إرادته أما هو (كولردج) فكان - شيئا فشيئا - يحل الإرادة محل الرغبة، ويزيح الخيال ليحل محله الحقيقة· لقد كان تواضعه شديدا بشكل غريب لكنه كان واعيا بذاته بشكل مكثف مدركاً أنه يكاد يكون مهتما بكل الموضوعات (وهو في هذا مثل وردزورث ومثلنا) وكان في طويته معتزا بنفسه بشكل عدواني (يفوق الحد) وقد لفت الانتباه بأمانته والتزامه الخلقي الصارم ولامبالاته بالشهرة والمال، لكنه كان يتطلع إلى المكانة · وانتحل عبارات الآخرين وأفكارهم بسعادة، واقترض المال وترك أصدقاءه ينفقون على زوجته وأولاده وربما أضعف الأفيون من قدرته على ممارسة الجنس·

وفي أبريل سنة 1804 راح يبحث عن تقليص آلامه التي ضاعفها الربو والحمى الروماتيزمية بالتوجه إلى شمس البحر المتوسط وهوائه فقبل مائة جنيه قرضا من وردزورث وأبحر إلى مالطة التي كانت في ذلك الوقت معقلا للقوة البريطانية وإن كانت موضح نزاع· وأخذ معه أوقية (أونصة) من الأفيون الخام crude opium وخمس أوقيات (أونصات ounces) من اللودانيوم laudanum ( مستحضر أفيوني يسمى أحيانا صبغ الأفيون) وقد كتب عن الرحلة في مذكراته (يوم 13 مايو) دعاء يائس:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015