وقد يمكننا أن نتخيل ما أحدثه هذا الواقعي realist في اللاهوت السائد في عصره وفي بلاده· إنه لم يجد جدوى في الإلوهية التقليدية عند محاولته النظر بتجرد إلى عالم العلم أو التاريخ أو الاقتصاد أو الحكم· لقد حاول أن يمسك لسانه الحاد الذَّرِب عن هذه الأمور لأنه شعر أن الكنيسة الإنجليكانية تعد كنيسة عقلية (تحترم العقل) بالنسبة إلى غيرها من الكنائس، وقد تكون خيِّرة، لكن الإكليروس (رجال الدين) شعروا بخصومته الصامتة وشجبوا مذهبه النفعي his utilitarianism تماما باعتباره فلسفة إلحادية godless philosophy
لقد بدأ بمحاولة عزل بلاكستون كاقتصادي يقوم بدور في نسج الدستور البريطاني، لقد بدا له هذا الوجود الباطني (الغامض) كخليط وناتج عتيق (عفا عليه الزمن) لمصادفات وأمور عارضة يتسم بالتناقض والتنقيحات المتعجلة غير قائم على منطق ولا أساس، وعلى هذا أصدر بنثام واحدة من الشرارات من سندانه، إنه كتابه صلى الله عليه وسلم fragment on government (1776) - كأول سهم تطلقه الراديكالية الفلسفية philosophical radicalism التي كان عليها أن تناضل طوال نصف قرن قبل أن تحرز نصف انتصار في سنة 1832·
وفي الوقت الذي قام فيه هذا المتحدي البالغ من العمر ثمانية وعشرين عاما بامتداح بلاكستون لأنه علّم عِلْم القانون أن ينطق لغة الباحثين والسادة الأماجد gentlemen إلا أنه لامه لأنه قلص الدستور فجعله لا ينص إلا على سلطة الملك المطلقة· وعلى العكس من ذلك فالدستور السليم (الذي يميز الخطأ من الصواب) هو الذي يوزع سلطات الحكومة بين أجزائها (مكوناتها) المختلفة، وسيسهل تعاونها وفرضها للقيود المتبادلة - فالمبدأ الهادي للمشرعين يجب ألا يكون هو الرغبة في الهيمنة وإنما تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس فهؤلاء الناس هم هدف التشريع والتشريع لم يوضع إلا لهم، والاختبار الصحيح لأي قانون مقترح هو مدى نفعه لتحقيق هذه الغاية (إسعاد أكبر عدد من الناس) هنا نجد أن مبدأ النفعية الشهير كان هو جوهر تعاليم بنثام التشريعية والأخلاقية·