قصص من التاريخ (صفحة 164)

إذا قُدّر لك أن تتوغل في هذه الأودية العميقة الموحشة، ثم تتسلق هذه الجبال ترتقي من ذروة إلى ذروة حتى تبلغ تلك القُنن (?) الشامخة التي لا يعلوها شيء، رأيت فيها طوداً باذخاً قد شهق واستطال في السماء، واستعرض حتى ضاعت جوانبه في هذه الجبال التي تتشعب من حوله صاعدة منحدرة في تسلق واتساق، كأنها الأمواج العظيمة في البحر الهائج الغَضوب، لولا أن ماءها الرمل والحصى وجَلْمَد الصخر، وأن عمر الموج ساعة وأنها من لِدات الدهر ... كما ضاعت أعاليه في الغمام المسخر بين السماء والأرض.

على ضهر (?) هذا الطود، فوق قلعة من تلك القلعات الراسيات، كانت ترقد القرية ببيوتها ودروبها وبساتينها، متوارية مختبئة ضالّة في فلوات السماء، تشرف على الأرض من فوق السحاب فلا ترى منها إلا خيال هذه الصحارى الواسعة يبدو من بعيد موشّىً بالرمال المتسعّرة الملتهبة والسراب الذي يظل أبداً لامعاً خدّاعاً كأنه الحياة الدنيا! هذه الصخور وهذه الأودية وهذه الصحراء هي - عند أهل القرية - الوجود كله!

في طرف من أطراف هذه القرية كان يجثم بيت صغير منفرد قائم على شفير الوادي. إذا أنت دخلته لم تجد فيه إلا طائفة من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015