وكان حلساً من أحلاس العلماء والصالحين، بيته وزاويته موطناً لهم، ألفوه وقصدوه من المشارق والمغارب، محكماً للسنة في أحواله أقوالاً وأعمالاً حركو وسكوناً، حتى تجسدت به، لا مذهب له ولا طريقة دون الكتاب والسنّة، كتابه المصف. مات وهو يكتب القرآن في اللوح مع أنه كان شديد الحفظ له من صغره، وديوانه الصحيح، ختمه نحو الخمسين مرة ما بين قراءته له على المشايخ وإسماع له، وكان يعرفه معرفة جيدة يستحضر نوادره ومخبآته، ويستحضر " فتح الباري " استحضاراً عظيماً، وأتم سماعَ وإسماعَ الكتب الستة، ولم يبق بفاس في عصره ولا بالمغرب من تمَّ له ذلك، يعرف الناس له منةَ إحياء السنّة وكتبها بفاس والقيامَ عليها قيام النقاد المهرة، يستحضر أحاديث الكتب الستّة كأصابع يده وإن أنس فلا أنس أني كنت مرة أسمع عليه كتاب " المجالس المكية " لأبي حفص الميانسي المكي من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلاء العراقي، فوصلنا فيه إلى حديث عثمان في كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فمع عزو الميانسي له إلى مسلم ذكر فيه المسح على الأذنين، فقال لنا الشيخ الوالد: مسح الأذنين في الوضوء لا يوجد في الصحيحين من حديث عثمان ولا غيره، فقمت بعد ذلك على ساق في مراجعة نسخ صحيح مسلم العتيقة المسموعة وغيرها من المستخرجات والمصنفات الأثرية، فلم أجد لذلك ذكراً فيها، فأيقنت بحفظ الرجل وقوة استحضاره وخوضه في السنّة.
وله رضي الله عنه في الشؤون النبوية عدة مؤلفات كالخضاب والشيب والوفرة، وحواشي على الصحيح والشمائل، وجزء في المبشرين بالجنة من الصحابة أوصلهم إلى نحو المائتين، وكتاب في حديث كنت نبيئاً وآدم بين الروح والجسد. وله مبرد الصوارم والأسنّة في الذب عن السنّة، كتاب عظيم القيمة واسع البحث والاطلاع، وله أيضاً ختم الصحيح، وختم الشمائل