فإن قلت: فلم خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن لهم فيما هو مصلحة؟ قلت: لأنّ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة، ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم، ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب، ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا، وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قامت عليهم الحجة ولم تبق لهم معذرة. ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
فإن قلت: ما معنى قوله (مَعَ الْقاعِدِينَ)؟ قلت: هو ذمّ لهم، وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) [التوبة: 87 - 93].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما بيان التمثيل في (وَقِيلَ اقْعُدُوا): فإنه تعالى جعل خلق داعية القعود فيهم بمنزلة الأمر والقول الطالب للفعل، ونحوه قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: 243]، أي: أماتهم، وقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82]، وهو المراد من قوله: "جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود".
قوله: (فلم خطيء): جاء بالفاء منكراً، أي: إذا جاز إسناد كراهة الخروج إلى الله تعالى، فلم لا يجوز الإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أجاب: أنه صلى الله عليه وسلم ما أذن لهم بالقعود لتلك الحكمة، وهي أن خروجهم كان مفسدة، ولذلك أُنكر عليه، ومن ثم فسر (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بقوله: "هلا استأنيت بالإذن حتى يتبين لك من صدق في عُذره ممن كذب فيه".