كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إلىّ زيد، ولكن أساء إلىّ (فَثَبَّطَهُمْ): فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث.
(وَقِيلَ اقْعُدُوا) جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة، وقيل: هو قولهم لأنفسهم، وقيل: هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود.
فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو، وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟ قلت: خروجهم كان مفسدة؛ لقوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا)، فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسناً ومصلحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم): جعل فعل العبد أصلاً في الاعتبار، وذلك أن "لكن" تقتضي مغايرة ما قبلها لما بعدها، وفي التنزيل: أحد المتغايرين من جانب العبد، والآخر من جانب الرب، والمصنف اعتبر المتغايرين من جانب العبد.
وأما تقريره على رأينا: لو أراد الله خروجهم لعلهم مريدين للخروج، فيستعدون عدته، ولكن أراد تثبيطهم. وهذا التقدير أولى، لأنه قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، إنما أُردف ليؤكد هذا المعنى، ويُوجب تأويل المستدرك، وإنما أسند عدم إرادة الخروج إليهم، الكراهة إلى الله تعالى، لأن المقام التوبيخي يقتضي النعي عليهم، ونحن إن قلنا بخلق الأفعال فلا نقول بنفي الاستطاعة الكسب، والذي يدل على التوبيخ قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، أي: اقعدوا مع المرضى والزمنى والنساء، وجيء بلفظ ما لم يسم فاعله؛ طرداً لهم وبُعداً عن مظان الزلفى.