(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ) من جملتهم، وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من اللَّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا تراءى ناراهما»، ومنه قول عمر رضي اللَّه عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم اللَّه، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم اللَّه، ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللَّه.
وروي أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم اللَّه ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا تراءى ناراهما) روينا عن الترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بنصف العقل، وقال: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما".
النهاية: الترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضاً، فإسناد الترائي إلى النارين، جاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان، أي: تقابلها، يقال: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان؟ والأصل في تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه م المسلمين في دارهم.