فإن قلت: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) معطوفٌ على ماذا؟ قلت: على: (الْكِتابَ) في قوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) [المائدة: 48] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ «أن» وصلت بالأمر، لأنه فعلٌ كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفاً على: (بِالْحَقِّ) [المائدة: 48] أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم.

(أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أن يضلوك عنه، ويستزلوك، وذلك أن كعب بن أسيدٍ وعبد اللَّه بن صوريا وشاس بن قيسٍ من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ نفتنه عن دينه؛ فقالوا له: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فنزلت.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الحكم بما أنزل اللَّه إليك وأرادوا غيره (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) يعني: بذنب التولي عن حكم اللَّه وإرادة خلافه فوضع (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) موضع ذلك، وأراد أنّ لهم ذنوباً جمةً كثيرة العدد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكمة من الله تعالى وإن خفي عليه وجه الحكمة فيستبق إلى ما شرعه الله تعالى في كل وقت، ولا يتبع هواه، وأيكم يتبع هواه؟ اتجه لهم أن يسألوا: ما تلك الحكمة؟ ومتى تُعلم حقيقتها؟ فأجيبوا: إذا ما رجعتم إلى الله تعالى في دار الجزاء فيجازيكم إما بالثواب أو بالعقاب ليفصل بين المحق والمبطل وبين العامل والمفرط، وحينئذ تعلمون وجه الحكمة ولا تشكون فيه، مثاله: إذا قلت: فما ادري من المقبول منا ومن المردود عند الأمير؟ فيقال لك: إذا رأيت أنه خلع على فلان وعاقب فلاناً علمت المقبول والمردود ولا تشك فيه.

قوله: (ويجوز أن يكون معطوفاً على {بِالْحَقِّ} أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم). قلت: ولو جعله عطفاً على {فَاحْكُمْ} من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} كان أحسن.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015